قضايا وآراء

المناعة المعرفية في العالم العربي

هاني بشر
1300x600
1300x600

المناعة المعرفية مرتبطة بقدرة الأفراد على تكوين مواقف وتصورات بناء على تراكم تعليمي وثقافي معين، وهي القدرة على وضع المستجدات السياسية والاقتصادية وغيرها في سياق أوسع.

يساهم في هذا بشكل أساسي مستوى التعليم والتفاعل المجتمعي والثقافة والفنون والإعلام. فالمعلومات والبيانات كالنفط الخام.. مجرد سائل أسود لا يسمن ولا يغني من جوع من دون تحويل ذلك لمشتقات وصناعة وأموال، وهذا كله هو المعرفة. وكما أن لدينا في العالم العربي وفرة في النفط والموارد الخام، لدينا أيضا وفرة في المعلومات والبيانات ونقص في المعرفة. نصدّر النفط الخام كما نصدر المعلومات، ونستورد المعرفة كما نستورد كل المنتجات الجاهزة.

 

لدينا أيضا وفرة في المعلومات والبيانات ونقص في المعرفة. نصدّر النفط الخام كما نصدر المعلومات، ونستورد المعرفة كما نستورد كل المنتجات الجاهزة

استمر هذا الحال لعدة عقود، كنا قادرين خلالها على إنتاج أنواع من المعرفة المحلية على مستوى الثقافة والفنون والفكر. لم تكن قابلة للتصدير، لكنها على الأقل كانت تغطي جزءا كبيرا من استهلاكنا المحلي. من خلال هذه المعرفة تكوّن لدينا في العالم العربي قدر من المناعة المعرفية للتفرقة بين الحقيقي والخرافي، الوطني والخائن.. إلخ، لكن مع حالة التخمة الحالية في كم المعلومات المبثوثة واللا منطق في الأحداث المتلاحقة؛ دخلنا إلى أتّون تيه معرفي.

الأمر لا يقتصر على العالم العربي فحسب، فقد حذر الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقالين في صحيفة نيويورك تايمز من مغبة نقص المناعة المعرفية عند الأمريكيين، وتداعيات ذلك على المستقبل السياسي للبلاد. في نيسان/ أبريل الماضي حذر فريدمان من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه مشكلة في المناعة المعرفية للتفريق بين الدجل والعلم في موقفه من موضوع فيروس كورونا (كوفيد ١٩)، الأمر الذي انعكس على تقييمه لمخاطر الفيروس. وقبل أيام حذر الكاتب نفسه في الصحيفة ذاتها من التأثير السلبي لتويتر وفيسبوك على مناعة الأمريكيين المعرفية في ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، وكيف أنها أصبحت بؤرة لترويج وتداول نظريات المؤامرة.

قد يكون في الولايات المتحدة ما يكفي من قواعد الفصل بين السلطات، بالإضافة للجامعات وجماعات الضغط، ما يعوض قليلا نقص المناعة المعرفية لدى الناس. أما في العالم العربي فنحن أمام مشكلة حقيقة، فهناك حالة تهميش لدور المثقف والمفكر وسط أتون المعارك السياسية والحربية، الأمر الذي انعكس على مستوى النشر والترجمة، وانعكس بالتبعية على المحتوى الرقمي الذي يحظى بمتابعة حثيثة من الجمهور العربي. ساهم في ذلك صعود طبقات من السياسيين؛ لا نقول غير المثقفين، بل غير المتعلمين أصلا، ويكشف كثيرا منهم مستوى الخطابات التي يلقونها.

 

قد يكون الحديث عن المناعة المعرفية دربا من الترف الفكري في ظل ما يموج به العالم العربي من مشكلات هيكلية؛ تهدد حدوده وكيانه ومستقبله تحت أزيز المدافع من هنا وهناك، لكن الحقيقة أن هذه الهشاشة المعرفية هي التي تساعد في كل ما سبق

يلعب تراجع مستوى التعليم وهجرات العقول من العالم العربي دورا غنيا عن الشرح في هذه المشكلة، والمأساة الحالية هي أن محاولات العلاج الفردية لهذه المشكلة لا تسفر عن نتائج تذكر. فعلى سبيل المثال، تحاول الأسر والعائلات المختلفة بذل كل ما في وسعها من أجل ضمان تعليم جيد للأبناء، من دون التأكد من تحصيل القدر الكافي من المعرفة التي تؤهل للحكم على الأمور وخوض سوق العمل.

قد يكون الحديث عن المناعة المعرفية دربا من الترف الفكري في ظل ما يموج به العالم العربي من مشكلات هيكلية؛ تهدد حدوده وكيانه ومستقبله تحت أزيز المدافع من هنا وهناك، لكن الحقيقة أن هذه الهشاشة المعرفية هي التي تساعد في كل ما سبق. ورحم الله المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي الذي صك مصطلح "القابلية للاستعمار" في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تنال معظم الدول العربية استقلالها، ليكشف لنا عن أحد العوامل الكامنة في الذات الجماعية والتي تمهد الطريق للمستعمر الخارجي.

twitter.com/hanybeshr

التعليقات (0)