قضايا وآراء

الخيانة كمؤهل سياسي عربي

ماهر البنا
1300x600
1300x600
لن نعرف إلى أي مستقبل يمضي العرب إلا إذا فهمنا حقيقة الوضع العربي، ولن نفهم هذا الوضع المربك إلا إذا امتلكنا الجرأة والحيادية والشجاعة على فرز وفهم التاريخ العربي، ولن نستفيد من دراسة ذلك التاريخ إلا إذا اقتحمنا سؤال الخيانة ودوره البارز في تشكيل الحالة العربية الحديثة، وهي حالة مأزومة في تكوينها، أي أنها تأسست بقصد لتكون أزمة دائمة، بمعنى أنها "نظام تم تأسيسه ليقمع ويفشل" حسب تعبير عالم النفس الأمريكي تيري كوبرز عن نظام السجون في بلاده..

قبل أيام نشرت صحيفة هآرتس الصهيونية مقالا جدد فيه الباحث الأكاديمي مائير زامير أحاديث قديمة عن تعاون رئيس الوزراء السوري جميل مردم مع قادة إسرائيل، وخاصة بن جوريون، وكذلك عن تعاونه الاستخباراتي المزدوج مع كل من المخابرات الفرنسية والمخابرات البريطانية. وبرغم الضجة التي أعقبت نشر مقال البروفيسور زامير، إلا أن القصة مكررة ومعروفة للمهتمين، لدرجة أن بعضهم يعتبرها "دوراً وطنياً" ساعد في تحرير سوريا من الاحتلال، ويرون أن مردم بك كان رائداً في مسار "حل الدولتين"، حيث كان يجاهر بشجاعة بموافقته على قرار تقسيم فلسطين والتعامل بواقعية مع إسرائيل..

هذا يعني أن الرجل الذي قال: سيأتي يوم تصبح فيه الخيانة وجهة نظر، كان رجلاً طيباً إلى حد السذاجة، (القول منسوب لكمال ناصر وكذلك لكمال عدوان وكذلك لصلاح خلف وفلسطينيين آخرين، المشترك بينهم أن أحداً ما خانهم وسهّل للموساد اغتيالهم!). فالمناضل الطيب يتصور أن الخيانة ستأتي في يوم ما قادم، وسوف تعيش في الأوطان العربية كسياسة وكياسة وانفتاح في الرأي والعمل، بل ووطنية عروبية من أجل الرخاء ومستقبل البلاد!

لكن هذا الفهم التحذيري "الطيب" ليس صحيحا، لأن الخيانة لن تأتي، فهي موجودة منذ البدء، موجودة في البذرة، موجودة في البنية، في المكونات الأساسية العليا التي قامت عليها الدويلات العربية الحالية. ولم تكن الصلات السرية مع موريس فيشر أو لورانس العرب، إلا صلات وظيفية لنقل التعليمات وتسهيل التعاون مع قادة الفكرة المحورية التي يخطط بها الغرب المهيمن حال المنطقة ومستقبلها وخريطتها الجغرافية، وهو أسلوب يتكرر بوضوح أكثر هذه الأيام، الفارق أن خطة الغرب القديمة كانت إقامة الحدود المصطنعة وتقسيم الرغيف إلى لقيمات ليسهل ابتلاعه، بينما الحال الآن يتجه إلى فتح تلك الحدود لتتماشى مع الدولة الوكيل (إسرائيل) التي أبقت على حدودها مفتوحة، ضمن مخطط ابتلاع اللقيمات التي قسمها الأوغاد القدماء وأوكلوها إلى رجالهم (عملائهم) في المنطقة لحين تسليمها بالشكل الجديد، مع ضمان دورهم في المخطط الجديد كمكافأة عمالة، إذا ما أحسنوا السمع والتنفيذ!

معظمكم تعرفون أن دور الخيانة في التاريخ العربي أقدم من ذلك بكثير، وقد نتذكر في ذلك مؤيد بن العلقمي في بغداد، وجان بردي الغزالي في دمشق، وخيّر بك في حلب، وقد نتذكر معهم الأعرابي حسن بن مرعي والمحتسب بركات بن موسى وغيرهم في مصر، كما نتذكر بعد ذلك خونة عرابي (باشاوات الولس)، وقد نتذكر أيضا المتعاونين مع بلفور، والعملاء المزدوجين بين المخابرات البريطانية والمخابرات الألمانية، ومنهم رئيس مصري سابق تجرأ فنقل العلاقة المريبة مع الصهاينة من المخادع المستورة إلى العلن السافر، وإن بدأ حيلته باستخدام خطاب "وطني" خادع عن الرخاء وحقن الدماء والسلام الذي يجلب السعادة والهناء لحياة المعذبين!

أتذكر صورة أحمد الجلبي وطريقة عودته إلى العراق، وأتذكر تصريحات السيستاني، وأتذكر حكايات صديقي أيمن خالد عن بلاده التي قاست طويلا من "وفاء الخيانة" عبر تاريخها، لكنني لا أرغب في مساجلات تسرقنا من القضية، لا أرغب في هجاء الحكام الذين تربوا ككلاب الحراسة في مزارع الإنجليز والفرنسيين، لا أرغب في هجاء الشعوب التي قالت لأحفاد الملوك الصليبيين: "هيت لك.. ما أجملك.. خذني في أحضانك يا ماكرون..". لا أرغب في مناقشة تعاون عبد الناصر مع الأمريكان، ولا أرغب في معرفة الاسم الحقيقي لوالدة عبد الفتاح السيسي، لأن الحال تجاوز كل هذه المشاجرات اللفظية.

وأعتقد أن التفكير الواقعي العاقل للحالة العربية يتطلب اعترافاً صريحا وقاطعاً بالعمالة للمشاريع الغربية، وهذا الاعتراف لا يخص الحكام والنخبة وفقط، لكن يخص قطاعات واسعة من الرعايا المستلبين في هذه البلاد التي مسختها الخيانة، حتى أصبحت "الخيانة" وظيفة تبررها لقمة العيش، بحيث صار الشعار العربي المعاصر: "تحيا الحرة ولو بثديها".. "تحيا البلاد حتى وإن نامت مع العدو".

قصة جميل مردم بك (ما شاء الله كلهم بكوات) لا تشبه قصة إيلي كوهين، لأن كوهين كان جاسوسا بالمعنى الوظيفي المباشر، وهذه جريمة يسهل التعامل معها عربياً، لأنها سلوك فردي لا يحتمي بالسياسة والإعلام والتواطؤ العلني العام، لذلك يقبض القرصان الكبير على القراصنة الصغار دائما، حسب الأمثولة التي رواها نعوم تشومسكي عن محاكمة الإسكندر الأكبر لأحد القراصنة، وحسب طرد البرلمان المصري للنائب التطبيعي توفيق عكاشة لاستضافته السفير الإسرائيلي في منزله على العشاء، بينما مصر نفسها تستضيف سفارة إسرائيلية كاملة ونافذة ومتغلغلة، لذلك فإن الأنظمة العربية الحديثة التي تتعاون مع إسرائيل لا تتجنب الحديث العام عنها كعدو!! وأحيانا تعاقب من يتعامل معها من الأفراد وتنظر إليهم بتوجس، لأن طبيعة العلاقة السرية أخطر من أن يتركها العملاء لغيرهم من الصغار.

من هذا الفهم للعمالة يجب أن نتجاوز فكرة التخوين الهجائي الذي تتبادله القوى السياسية والذي طال كل شيء في حياتنا، فعبد الناصر كان عميلاً للأمريكان بشهادة مايلز كوبلاند حسبما يفضل أنصار جماعة الإخوان، والجماعة في نظر خصومها ليست إلا صنيعة للإنجليز، ومؤسسها حسن البنا ليس إلا ماسونيا جندته سلطة الاحتلال، وجامعة الدول العربية مجرد كيان استعماري اصطنعه الإنجليز لمنع وحدة العرب وضمان تفرقهم. والحال ينطبق على كل شيء من ليبراليين وشيوعيين وقوميين ونشطاء مجتمع مدني، كل طرف يرى في الآخر مجرد خائن وعميل لجهات أجنبية.

فما العمل؟

كيف نتعامل مع العملاء على اختلاف أدوارهم، سواء كانوا خونة موظفين على طريقة إيلي كوهين وفاروق الفقي، أو عملاء ملتبسين على طريقة أشرف مروان، أو عملاء سياسيين على طريقة مردم وأشباهه، والسادات وأتباعه، وابن سلمان وأجداده، وابن زايد وأولاده، والسيسي ومن والاه واتبع في صفقة القرن خطاه؟

القضية مفتوحة للتحقيق والتدقيق، اقتحموها بشجاعة لعلنا نصل إلى توصيف يسمي الخونة بأسمائهم ووظائفهم، ولا يزيف ألقابهم وصفاتهم.

[email protected]
التعليقات (0)