قضايا وآراء

علاقة أمراض القلب بطبيعة نظام الحكم

عبد الله الأشعل
1300x600
1300x600
بودي أن تجري مراكز البحوث الاجتماعية دراسة حول أثر نظام الحكم على أمراض القلب. وأمراض القلب هي ما يصيب القلب في وظائفه الحيوية، وهي من أولى الأسباب المؤدية إلى الوفاة. وتلك هي الأمراض الجسمانية، لكن ما نقصده هو أمراض القلب من الناحية الدينية. فقد حذرت السنة النبوية المطهرة من أن أمراض القلب التي تحول بين الإنسان والجنة هي التي تضر بعباد الله، مما يتصادم مع التزام الإنسان بأن يكون نافعا للأرض والناس، وفي ذلك تفصيل كبير.

ولا شك في أن كل إنسان حريص على أن يتقبل الله عمله ويدخله الجنة ولذلك يعينه بحث هذا الموضوع. فقد ورد في القرآن الكريم "ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها". وورد في السنة أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر أو حقد أو حسد وكلها ضارة بخلق الله. وبوسع الإنسان أن يدرب نفسه على تنقية قلبه.

وقد لاحظت أن هذه الأمراض ترتبط ارتباطا كبيرا بطبيعة نظام الحكم، من خلال الاهتمام بهذه الأمراض عند من يعيش في ظل نظام ديمقراطي ودولة قانونية، ومن يعيش في ظل نظام استبدادي شمولي ودولة مافياوية. وفهمت أن الله سبحانه أنزل الشرائع على الشعوب المتخلفة تعويضا لها عن حكم القانون الذي تفتقده، وأن هذه الشرائع لم تفلح في إصلاح قلوب هذه الشعوب.

وقد توصلت إلى نتائج مدهشة بمجرد متابعة هذه المسألة في المجتمعات الديمقراطية والمجتمعات المتخلفة. فمن الناحية الدينية قيّض الله سبحانه وتعالى النصر والازدهار والسكينة للدولة والأفراد الذين يجيدون استخدام وسائل تحقيق النصر والتقدم والازدهار، أما من يحسبون أنفسهم أتباع الشرائع وتفترق سلوكياتهم عن نصوص هذه الشرائع فإنهم تاريخيا هم الفقراء المعوزون طالبو العون من غيرهم والعالة على غيرهم، وهم الذين يعانون من الفساد والاستبداد والظلم والاحتلال والاستغلال.

فالمجتمع الديمقراطي يتمتع بالحرية للتعبير عن نفسه وإظهار ملكاته والاستمتاع بثمار هذه الحرية، وخاصة حرية التعبير والنقد للحاكم على أي مستوى، ويمارس حق المعرفة وحق تشكيل الرأي وحق التعبير عنه وحق في اهتمام السلطة برأيه، ولذلك يشعر فعلا أنه عضو في المجتمع ويهمه كل أفراد المجتمع، ومن حقه أن يحلم وأن يرتقي بقراراته حيث يتمتع بالحق في تكافؤ الفرص.

صحيح أن الفرد يولد مساويا لأقرانه، ولكن وضعه الاجتماعي يتحدد بوضع أسرته، ولكن في المجتمع الديمقراطي يستطيع كل فرد أن يستخدم قدراته ويطورها، فيختار الوضع الذي يريد في المجتمع ولا يفرض هذا المجتمع عليه وضعا إجباريا فلا يصاب بالاكتئاب، وإذا مارس حقه في التعبير والنقد والتصحيح المجتمع يساعده على ذلك، كما يحترم مواقفه الشخصية وأحواله الخاصة.

أما الكذب والنفاق فلا يكون إلا حيث يخشى المواطن الصراحة وقول الحق فيضطر إلى التكتم والالتواء، بل وامتداح جلاده مما يؤدى في النهاية إلى إنتاج أجيال لا مصداقية لها، فلا هي فيما بينها يصدق بعضهم بعضا ولا يثقون بالحاكم من باب أولى، ولكن ينافقونه ويمتد مدحه بما ليس فيه حتى يتقوا شره أو يطمعوا خيره، فتعم الفوضى في المجتمع ويخسر الفرد فيه دنياه وآخرته، فلا يقيم دينا ولا يعمل بموجب هذا الدين، أما المجتمع الديمقراطي فالفرد يتمتع بحرية العقيدة وحرية ممارستها.

ولا مكان للحقد والحسد في المجتمع الديمقراطي لأن الجميع أمامهم تكافؤ الفرص وهم يملكون وطنهم بالتساوي، وإنما تنشأ دوافع المنافسة في الرقي وال تقدم، ولا يملك أحد أن يمنع غيره من تحقيق أحلامه.

في مثل هذا المناخ تزدهر المشاعر الخيرة والإنسانية، لأن طاقة العمل الخيري موجودة بالفطرة في الإنسان، والحكم الديمقراطي يحقق المساواة والتكافؤ والتكافل والتضامن ويعزز روابط المجتمع والاعتزاز بالوطن والاستماتة في الدفاع عنه، وكلهم يحبون وطنهم ولا يملك أحد مهما كان أن يتهم أحدا في وطنيته أو يوزع صكوك الوطنية.

وفي المجتمع الديمقراطي هناك اطمئنان للعدل والمحاسبة لكل مسؤول، ويصبح العدل في القضاء مسألة طبيعية، ويزداد الناس اعتزازا بإنسانيتهم وبكرامتهم خاصة في ما يتعلق الأمر باستقلال القضاء.

والحق أن القانون الديمقراطي يضبط سلوك الفرد الخارجي، ولكن قلبه مفعم بالحب للحياة والتقدم ويطمئن إلى سلامة الحياة، مما يرفع مناعته ضد الأمراض فلا شيء يهزم المناعة قدر القلق من المستقبل وانعدام العدل.

لكن المجتمع الديمقراطي لا يخلق الفضائل في الفرد، وإنما إذا قرر الفرد أن يكون فاضلا متحضرا فإن المجتمع يفتح الطريق إلى تحقيق ذلك.

أما وحشية المستعمر الأوروبي في بلادنا فهذه قضية أخرى تحتاج إلى معالجة نفسية عميقة.

والشعور بالتعالي هو أعلى درجات الكبر، وهو طبيعة في النفس البشرية، والاستعمار يغذي هذا الاتجاه في بعض ضعاف النفوس. وعلى كل حال تختلف الشعوب عن الحكومات في الدولة الديمقراطية.
التعليقات (0)