مقالات مختارة

هكذا تنتهي حرب أوكرانيا

عبدالحليم قنديل
1300x600
1300x600

تنتهي الحروب غالبا بواحدة من طريقتين، إما بالتفاوض أو باستسلام أحد الطرفين المتحاربين، ولا تبدو أهداف روسيا في حرب أوكرانيا قابلة للتفاوض، وبالذات بعد تطورات الشهرين الأخيرين، وإعلان موسكو رسميا عن ضم أربعة أقاليم أوكرانية لأراضيها، إضافة لسيطرة روسيا على إقليم شبه جزيرة «القرم» وميناء «سيفاستوبول» منذ عام 2014، بينما تطلب أوكرانيا جلاء كاملا للروس عن الأقاليم الخمسة، وهو ما يبدو طلبا عبثيا مستحيل التحقق، من وجهة نظر الروس، فالتناقض «حدي» بين الطرفين، ويصعب تصور الوصول إلى حله بطريق التوافق والتراضي، اللهم إلا إذا كانت هناك وسيلة لوقف القتال من دون رد الأراضي، وهو ما تبدو حركة الحوادث ذاهبة إليه على أغلب الظن، وفي مدى شهور الشتاء الحربي الزاحف على الأبواب.


وقد انتعشت أحاديث التفاوض في الأسابيع الأخيرة، خصوصا بعد زيارة جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي إلى «كييف»، وحثه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على إبداء مرونة في تقبل مبدأ التفاوض، وفك حظر التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المفروض بقانون أوكراني، وقبل سعي سوليفان الملتبس، كان بابا الفاتيكان فرنسيس يوجه دعوة للتفاوض والسلام، بعد أن زاره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أواخر أكتوبر 2022، ودعا البابا الاتحاد الأوروبي للانخراط في عملية تفاوض روسيا وأوكرانيا، وأكد البابا ما سماه «حياده الكامل» و»محبته للشعبين الروسي والأوكراني»، بينما كان المستشار الألماني أولاف شولتس يبحث عن أرضية مشتركة مع بوتين، في اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس التركي، سبق زيارته المثيرة لجدل أوروبي إلى العاصمة الصينية بكين، ولقاء الرئيس الصيني شي جين بينج، سعيا لتوطيد علاقات اقتصادية وتجارية هائلة، وفتح السبل لتواصل مؤثر مع الرئيس الروسي، الذى تجمعه مع الصين علاقات «شراكة بلا حدود»، تأكدت أكثر بعد انتخاب شي لرئاسة ثالثة في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني.


وبدت هذه التحركات كلها علامات على رغبات غربية، في خفض التوتر مع موسكو، بعد أن فشلت الحملة الغربية في ردع الرئيس الروسي، وبعد أن بدت التطورات الحربية على أرض القتال غير مواتية لرغبات التحالف الغربي، وبعد أن بدا هدف «هزيمة روسيا» متباعدا، وهو ما يفسر اتجاه واشنطن لتواصل علني وفي الكواليس مع موسكو، وإن حرصت موسكو وواشنطن على إبداء تصريحات متقاربة المغزى، تحصر هدف الاتصالات الجارية في التهدئة النووية، ومن دون التطرق كما يقول الأمريكيون إلى الوضع في أوكرانيا، وإن حرصت موسكو علنا على تأكيد ضرورة دمج الموضوع الأوكراني في التفاوض مع واشنطن، وأن الأخيرة هي الطرف المقابل في حرب أوكرانيا، ومن وراء وأمام زيلينسكي وجيشه، وهو مما صار معلوما بالضرورة عن حرب أوكرانيا الجارية، وقد كانت من اللحظة الأولى حربا ذات طابع عالمي، تواجه فيها روسيا وحدها 32 دولة في حلف شمال الأطلنطي «الناتو»، إضافة لدول أخرى حليفة كاليابان واستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها، وقد استفرغت كل هذه الدول ما تملكه من سلاح متطور في الميدان الأوكراني، وزودت جيش «كييف» وسلطتها، بما تزيد قيمته إلى اليوم على مئة مليار دولار، دفعت منها واشنطن النصيب الأكبر، وبهدف معلن هو «إضعاف روسيا» وهزيمتها وربما تفكيكها، فقد دفعت واشنطن خزائن السلاح الأوروبي إلى الانتقال إلى أوكرانيا، وإعادة بناء الجيش الأوكراني كلما تحطم، ولم توفر أمريكا سلاحا مهما بلغت خطورته، وبلغت الإشارات الرمزية أعلى ذراها، مع إرسال «نظام ناسامس» للدفاع الجوي إلى كييف، وهو النظام المنصوب للدفاع عن البيت الأبيض نفسه، إضافة لمشاركات ميدانية مؤثرة، سواء في التخطيط للعمليات وإدارة المعارك، أو في الخدمات الاستخباراتية من مئات الأقمار الصناعية العسكرية والمدنية التابعة لدول وشركات التحالف الغربي، وهو ما كان سببا في اختراقات محسوسة، حققها الجيش الأوكراني و»الفيالق الأجنبية» على جبهات الحرب منذ أوائل سبتمبر 2022، بالسيطرة على بلدات في خاركيف ودونيتسك وشمال خيرسون، بلغت في مجموعها نحو 3% من مساحات السيطرة الروسية، لكن الهجمات الأوكرانية المتسارعة، بدا أنها تفقد قوة اندفاعها أخيرا، بعد إعادة تنظيم القوات الروسية والحليفة، مع إتمام مراحل «التعبئة الجزئية»، وإعادة بناء خطوط دفاع أقوى، وتحول الروس مجددا إلى الهجوم، بعد توقف عسكري استمر شهورا، وهو ما بدا معه، أن آمال التحالف الغربي تتراجع، وأن هدف اقتناص مدينة وميناء خيرسون لن يتحقق بالسهولة التي تصوروها، خصوصا مع الإنهاك الاقتصادي الغربي، وفشل 12 ألف عقوبة غربية في خلخلة الاقتصاد الروسي، وارتداد أثر العقوبات على الغرب الأوروبي بالذات، وظهور تشققات في جدار الاتحاد الأوروبي، دفعت ألمانيا الأكبر اقتصادا في أوروبا إلى التصرف المنفرد، وتخصيص 200 مليار يورو لتخفيف أثر أزمة الطاقة على مواطنيها وشركاتها، مع إخفاق الشركاء الأوروبيين في صياغة قرارات موحدة لمجابهة خفض إمدادات الطاقة الروسية، وتضاعف فواتير الطاقة البديلة الموردة من أمريكا إلى أربع مرات، وتصاعد ميل الدول الأوروبية الوازنة إلى استعادة التواصل مع موسكو، والبحث عن سبيل لوقف الحرب، مع غضب واحتقان زائد في المجتمعات الأوروبية، يدفعها إلى ضيق مرئي بفداحة تكاليف حرب أوكرانيا، ومعاقبة الحكومات الأوروبية المتحمسة أكثر لمسايرة واشنطن، وإلى حد بدت معه حكومات شرق أوروبا المنساقة أكثر للمحور الأنكلوساكسونى الأمريكي والبريطاني في أحوال صدام مع ألمانيا نفسها، واتهم رئيس الوزراء البولندي ألمانيا بخيانة أوكرانيا، والسعي لوصل ما انقطع مع موسكو، حتى لو كان الثمن هزيمة أوكرانيا، بينما لم تعد برلين تحفل كالسابق بالاتهامات البولندية وغيرها، بعد أن أرهقت الحرب اقتصادها، وأثقلته بخسائر تزيد هذا العام على 64 مليار يورو، ويتوقع أن تصل إلى 110 مليارات يورو في العام المقبل، وهو ما يعنى خسارة نحو 3% من الناتج القومي الألماني، وقد قدمت برلين كثيرا من السلاح والمعونات لأوكرانيا وللاجئيها، وضاعف من الضيق الألماني، مطالبة المسؤولين البولنديين لألمانيا بتعويضات عن حرب هتلر تصل إلى تريليون و300 مليار دولار، وكلها ضغوط تدفع ألمانيا في طريق التمرد النسبي على الإملاءات الأمريكية وتوابعها، وطرق باب روسيا عبر الصين شريك برلين التجاري الأول، فالمستشار الألماني شولتس بات يدرك أن العالم يتغير، وأن تعدد الأقطاب زاحف إلى توازنات القمة الدولية، ويريد الرجل دورا قياديا لبلاده في العالم الجديد، ولم يتردد في إعلان رأيه، وإبلاغه حتى للرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي يخشى اتساع التمرد الألماني، ويريد على ما يبدو إجراء تعديلات في مسارات التعبئة ضد الصين وروسيا، وهو اتجاه يبدو إجباريا، بالذات بعد ما جرى في انتخابات التجديد النصفى للكونغرس بمجلسيه، وفوز الجمهوريين بأغلبية مجلس النواب، وتوقع تنصيب الجمهوري كيفن مكارثي رئيسا لمجلس النواب الجديد، ولم يكتم مكارثي رأيه حتى قبل الانتخابات، وقال إن أوكرانيا لن تأخذ مزيدا من الشيكات الأمريكية «على بياض» بعد اليوم، وهو ما قد يعني إعاقة لسياسة بايدن في الميدان الأوكراني، وقبض يد الإنفاق الأمريكي على حرب أوكرانيا، خصوصا مع تحكم الكونغرس في التصرفات المالية للحكومة الأمريكية، وتراجع نفوذ بايدن الرئاسي ودعم حزبه الديمقراطي، وتصاعد أزمات ومآزق التضخم وارتفاع الأسعار، ونمو نزعة حرمان أوكرانيا من عشرات مليارات الدولارات، ربما يحتاجها الأمريكيون أولا، وهو ما قد يقود واشنطن وصناع سياساتها إلى إعادة النظر في الموضوع الأوكراني كله، والبحث عن طريقة لوقف الحرب ونزيفها المتصل، ومن دون اشتراط لهزيمة روسية مستحيلة الحدوث.


والخلاصة في ما نتصور، أن روسيا قد تكون مضطرة لمواصلة حملة الشتاء، وإكمال السيطرة على ما تبقى من أراضي الأقاليم الأربعة الأوكرانية، التي ضمتها رسميا، مع إمكانية واردة لترك مناطق في شمال مقاطعتي زاباروجيا وخيرسون، خاصة أن مرسوم الضم الصادر عن مجلس «الدوما» الروسي، لم ينص على التحديد النهائي الدقيق لمساحتي زاباروجيا وخيرسون، وتركه لمشاورات لاحقة مع القيادات المحلية، بينما كان النص ظاهرا على ضم دونيتسك ولوغانتسك» إقليمي الدونباس، إلى كامل الحدود الإدارية، وربما يكون ذلك تمهيدا لوقف القتال من الجانب الروسي، ربما باتفاق ضمني مع واشنطن يلجم أوكرانيا، ودونما حاجة إلى تفاوض يكون زيلينسكي طرفا فيه، ولا لإعلان موافقة غربية رسمية على ضم موسكو للأقاليم الأربعة، تماما على نحو يشبه ما جرى في واقعة ضم «القرم» قبل سنوات، أي فرض أمر واقع مصحوب بإيقاف إطلاق النيران الروسية، وبرسم حدود تنتهى غربا عند ضفاف نهر دنيبرو.

 

(القدس العربي اللندنية)

0
التعليقات (0)