قضايا وآراء

خواطر حول الحملات الرئاسية المبكّرة في تونس

عادل بن عبد الله
هل ما زال بمقدور المعارضة في تونس الضغط على سعيد؟- عربي21
هل ما زال بمقدور المعارضة في تونس الضغط على سعيد؟- عربي21
بصرف النظر عن النتائج التي تظهرها عمليات سبر الآراء غير القابلة للتحقق العلمي (بحكم غياب مؤسسات رقابية تؤطر عمل المؤسسات المعنية بهذا القطاع)، وبصرف النظر عن تأثير تلك المؤسسات في توجيه الرأي العام، كما وقع منذ الثورة (خاصة من لدن النواة الصلبة للنظام التي تتحكم في "رموز" المشهد الإعلامي، وفي أغلب "الخطوط التحريرية")، ورغم كل ما يقال عن هيمنة الرئيس قيس سعيد -ومن ورائه جزء من المنظومة القديمة ورعاتها الإقليميين- على المشهد العام، ومنه المشهد الانتخابي الذي تشرف عليه هيئة مستقلة صوريا ومعينة واقعيا، ومهما كان موقفنا من مشروع الرئيس وخطابه السياسي، أو موقفنا من انقسام المعارضة وصراعاتها البينية، فإننا لا يمكن أن ننكر وجود شبه إجماع بين الفاعلين السياسيين في تونس على أهمية الانتخابات الرئاسية القادمة، كما لا يمكن أن نغفل عن غلبة الأصوات الداعية إلى المشاركة وعدم المقاطعة، ومحاولة تغيير النظام من داخل منظومته الانتخابية ذاتها، أو بالأحرى تغييره في لحظته النهائية التي ينتظر منها أنصار "تصحيح المسار"، أن تكرس النظام الرئاسوي وأن تُمثل ضربا من "تجديد التفويض" للرئيس قيس سعيد، بعد "التفويض الأصلي" يوم 25 تموز/ يوليو 2021.

إن عمليات سبر الآراء لتوجهات الناخبين خلال الانتخابات الرئاسية القادمة ليست أمرا طارئا، فمنذ أن أعلن الرئيس "إجراءاته"، تداعت بعض مؤسسات سبر الآراء لإسناد قراءته للفصل 80 من الدستور -وهي قراءة اعتبرتها بعض القوى السياسية انقلابا-، بالتركيز على ثقة المواطنين في "تصحيح المسار"، واتساع الهوة بين الرئيس وبين كل معارضيه من جهة نوايا التصويت لدى عموم الناخبين. لقد حرصت الآلة الدعائية (بجناحيها الإحصائي والإعلامي) على شرعنة "تصحيح المسار"، وعلى تحصين الرئيس ومراسيمه من النقد بإظهار مدى الدعم الشعبي لهما معا، أو التركيز على استمرار الدعم الشعبي للرئيس، رغم فشل سياسات الحكومة (وكأن الحكومة ذات سلطة تقريرية مستقلة، أو كأنها غير معينة من الرئيس ذاته).

إذا ما كانت شيطنة الحركات الثورية الرافضة لمجمل المسار الديمقراطي أو شيطنة "منبوذي النمط" الذين قبلوا باللعبة الديمقراطية، ولكنهم ظلوا عضوا غريبا في "المشهد الحزبي" (مثل حركة النهضة أو ائتلاف الكرامة وغيرهما)؛ أمرا سهلا وممنهجا، ومحل إجماع من لدن من يسمون أنفسهم "قوى ديمقراطية" (وهم في الحقيقة قوى انقلابوقراطية، من جهة تواريخهم وسردياتهم الكبرى، ومواقفهم السياسية قبل الثورة وبعدها)، فإن الأمر يختلف عند التعامل مع مكونات المنظومة القديمة.

وإذا ما كانت شيطنة الحركات الثورية الرافضة لمجمل المسار الديمقراطي أو شيطنة "منبوذي النمط" الذين قبلوا باللعبة الديمقراطية، ولكنهم ظلوا عضوا غريبا في "المشهد الحزبي" (مثل حركة النهضة أو ائتلاف الكرامة وغيرهما)؛ أمرا سهلا وممنهجا، ومحل إجماع من لدن من يسمون أنفسهم "قوى ديمقراطية" (وهم في الحقيقة قوى انقلابوقراطية، من جهة تواريخهم وسردياتهم الكبرى، ومواقفهم السياسية قبل الثورة وبعدها)، فإن الأمر يختلف عند التعامل مع مكونات المنظومة القديمة وهوامشها أو ملحقاتها الوظيفية، حتى وإن كانوا خصوما لمنظومة الحكم الحالية.

لو نظرنا في أسماء الشخصيات التي كانت توضع في منافسة الرئيس قيس سعيد، فإننا سنلاحظ أن الأغلب الأعم منهم يشتركون في دعم "تصحيح المسار"، وفي معاداة حركة النهضة وتحميلها دون غيرها مسؤولية ما يسمونه "العشرية السوداء"، كما يشتركون في "التطبيع" بدرجات متفاوتة مع ورثة المنظومة القديمة، وسرديتهم التحديثية الزائفة.

ولعل أهم ما تغير في الفترة الأخيرة، هو توسع دائرة من أعلنوا نيتهم الترشح لمنافسة الرئيس قيس سعيد في الاستحقاق الرئاسي القادم، لتشمل أحد رموز المنظومة القديمة ألا وهو منذر الزنايدي. ورغم إقامة السيد الزنايدي في الخارج، بالإضافة إلى تحريك دعوى قضائية ضده بشبهة فساد، فإن أهميته تأتي من المسافة التي اتخذها من النظام الحالي، وكذلك من ابتعاده عن الصراعات الهوياتية، وأخيرا، فإن أهميته تأتي من أنه سيمثل أحد بدائل المنظومة القديمة، أو بصورة أدق أحد البدائل التي قد يطرحها جناحٌ من أجنحة المنظومة في إطار صراعات الأجنحة بين مكوّناتها.

وقد أظهرت إحدى عمليات سبر الآراء جدية هذا السيناريو، حيث جاء منذر الزنايدي المرتبة الثانية في نوايا التصويت بفارق ضئيل عن متصدر القائمة الرئيس قيس سعيد (23 في المائة للرئيس الحالي مقابل 20 في المائة للزنايدي، بينما احتل السيدان لطفي مرايحي والصافي سعيد المرتبتين الثالثة والرابعة بفارق كبير عن الرئيس والزنايدي، أما احتلال عبير موسي للمرتبة الخامسة مع وجودها حاليا في السجن، فهو أمر قد لا يدفع بالضرورة قاعدتها الانتخابية التجمعية إلى دعم الزنايدي. فرغم اشتراكهم معه في الانتماء إلى المنظومة ذاتها، فإنهم يختلفون معه جذريا في الموقف من النهضة ومن المصالحة الوطنية وغير ذلك من الملفات).

منطقيا، فإن إمكانية صدور حكم قضائي ضد منذر الزنايدي ستعني نهاية مستقبله السياسي قبل أن يبدأ، ولذلك فإن إخراجه من السباق الرئاسي في هذه المرحلة سيعني أنه لم يكن الحصان الأسود أو مفاجأة الحلبة، أما بقاؤه، فإنه سيظهر قوة الجناح الذي يسنده داخليا وخارجيا وقدرته على فرض مرشحيه، مهما كانت سيطرة النظام على المنظومة القضائية. وهو الأمر الذي أكدته الأحكام القضائية في حق أهم معارضي النظام، سواء من المسجونين أو من المطاردين ببطاقات جلب دولية، بعد توجيه اتهامات لهم أو صدور أحكام نافذة ضدهم.

وقد جاءت الرسالة التي بعث بها الزنايدي للرئيس سعيد، لتؤكد أنه لا ينوي أن يكون مرشحا صوريا، وأنه ينوي تغيير الوضع الحالي جذريا، كما جاءت لتؤكد حرص الزنايدي أن يظهر بصورة مرشح "المصالحة الوطنية"، تلك المصالحة التي تجعل منه "سفينة النجاة" للعديد من ضحايا المنظومة الحالية، خاصة حركة النهضة وحلفاءها في منظومة التوافق.

في مقابل الزنايدي وغيره من المنافسين المحتملين، يبدو أن الرئيس قيس سعيد قد بدأ هو الآخر حملته الانتخابية المبكرة، ولم تكن زيارته "غير المعلنة" للجنوب إلا تأكيدا لذلك. فالجنوب الذي طالبه القيادي الندائي محسن مرزوق بـ"العودة للسياق الوطني" -أي عدم دعم الرئيس المرزوقي في انتخابات 2014 ودعم مرشح المنظومة القديمة المرحوم قائد السبسي-، هو نفسه الجنوب الذي ذهب إليه الرئيس ليؤكد أنه "جزء من تونس".

إن انتماء الجنوب إلى تونس، ليس فقط وعدا من الرئيس بتحسين أوضاع أبنائه (في إطار سرديتي محاربة الفساد والحكم المحلي)، بل هو أيضا رسالة ضمنية لطرفين، أحدهما داخلي والآخر خارجي. فالجنوب جزء من تونس "تصحيح المسار" ومن التفويض الشعبي "الأصلي" للرئيس، وليس فقط الحاضنة الشعبية الأهم للنهضة، أو لأصحاب السرديات الكبرى (من القوميين واليساريين). كما أن الجنوب (بما في ذلك المناطق النفطية) هو جزء من تونس وليس جزءا من فرنسا التي تستضيف الزنايدي، وقد تدعم ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة.

نرجح استمرار الرئيس سعيد وسردية تصحيح المسار -بالتعامد الوظيفي مع النواة الصلبة للحكم- في الهيمنة على الشأن العام، وهي هيمنة لن يهددها في المستوى الاستراتيجي، إلا تغير خطاب أطياف المعارضة ورهاناتها، وتأزم الواقع الاقتصادي أو عجز مكونات منظومة الحكم على إيجاد أرضية صلبة للتوافق والحكم المشترك.

رغم الأجواء النوفمبرية (نسبة إلى 7 نوفمبر)، التي ترافق الزيارات الرئاسية "الفجائية" لبعض الولايات والمصالح العمومية، ورغم غلبة الوعود على الخطاب الرئاسي، وعجز المنظومة الحاكمة عن تحويل الإنشاء إلى خبر، فإن الرئيس قيس سعيد يبقى الأوفر حظا في الفوز بالانتخابات القادمة. ونحن نقدم هذا الاستشراف بناء على إيماننا بأن الصراع السياسي يتم داخل منظومة الاستعمار الداخلي، وليس خارجها أو ضدها. فكل المرشحين الذين ستقبل بهم هيئة الانتخابات -بلا استثناء- هم فاعلون، يتحركون تحت سقف منظومة الاستعمار الداخلي، وفي خدمة رعاتها الإقليميين والدوليين.

ونحن لا نرى سببا قد يدفع بالنواة الصلبة للمنظومة إلى مساندة الرئيس قيس سعيد كل هذه الفترة، ثم الانقلاب عليه في المرحلة النهائية من مشروعه. فلا معنى لأي تغير في موقف الدولة العميقة الآن، وهنا بعد أن ساندت تحويل حالة الاستثناء إلى مرحلة تأسيس لنظام رئاسوي ينفي الحاجة للأجسام الوسيطة، خاصة الأحزاب منها. كما أننا لا نملك أي معطيات موضوعية تشير إلى تغير المعادلات الإقليمية المتحكمة في الشأن التونسي، أو معطيات تشير إلى وجود إرادة دولية في إحياء "الاستثناء التونسي".

ولذلك، فإننا نرجح استمرار الرئيس سعيد وسردية تصحيح المسار -بالتعامد الوظيفي مع النواة الصلبة للحكم-، في الهيمنة على الشأن العام، وهي هيمنة لن يهددها في المستوى الاستراتيجي إلا تغير خطاب أطياف المعارضة ورهاناتها، وتأزم الواقع الاقتصادي أو عجز مكونات منظومة الحكم على إيجاد أرضية صلبة للتوافق والحكم المشترك.

twitter.com/adel_arabi21
التعليقات (0)