حقوق وحريات

حجب موقع "درب".. ضربة جديدة لحرية الصحافة ولليسار المصري

مصر تستقر بالمنطقة السوداء التي تضم الدول الأكثر انتهاكا لحرية الصحافة بالعالم- أ ف ب

فيما اعتبره متابعون ومراقبون ضربة جديدة وموجعة لحرية الصحافة ولليسار المصري والمعارضة المدنية؛ قام النظام العسكري الحاكم في مصر بحجب موقع "درب" الإلكتروني بعد نحو شهر من إطلاق التجربة الصحفية الأحدث بالبلاد لحزب "التحالف الشعبي" (يسار).

وفوجئ متابعو الموقع ذي التوجه اليساري، بحجب صفحته الإلكترونية التي انطلقت في 8 آذار/ مارس الماضي، لينضم بذلك لنحو 600 موقع إلكتروني وصحيفة ومدونة مصرية وعربية محلية وخارجية يحجبها النظام المصري منذ منتصف العام 2017، وبينها "عربي21".

رئيس تحرير "درب"، وعضو مجلس نقابة الصحفيين السابق خالد البلشي، أكد عبر صفحته بـ"فيسبوك"، أنه تم حجب درب تماما، موضحا أنه سيبدأ خلال الأيام القادمة "التحرك النقابي والقانوني، واتخاذ البدائل لتواصل درب مسيرتها كنافذة صحفية لتداول المعلومات والآراء".

 

ويُعد "درب"، هو الموقع الثالث الذي يتم حجبه تحت رئاسة الصحفي خالد البلشي، حيث حجب النظام موقع "كاتب" في حزيران/ يونيو 2018، بعد ساعات من إطلاقه، وفي منتصف 2017، حجب موقع "البداية" أيضا.

"ضربة.. ولكن سنستمر"

وفي الوقت الذي لم يرد البلشي، على تساؤلات "عربي21"، أكد رئيس حزب التحالف الشعبي مدحت الزاهد، أن "حجب تجربة (درب) هي بالفعل ضربة جديدة لحرية الصحافة ولليسار المصري والمعارضة المدنية في البلاد"، مضيفا في حديث لـ"عربي21": "سنكمل بطرق أخرى".

وكان الزاهد قد أعلن عبر صفحته بـ"فيسبوك"، عزمه "اتخاذ الإجراءات القانونية ضد حجب درب"، موضحا أنه "خلال أيام ستواصل مسيرتها كنافذة لتداول المعلومات، والآراء، وصوتا للحرية".

 

وفي رصد لها، أكدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، الجمعة، أنه بحجب "درب"، يبلغ عدد المواقع المحجوبة في مصر، 547 موقعا، بينها 125 موقعا صحفيا، منذ أيار/ مايو 2017.

وتستقر مصر بالمنطقة السوداء التي تضم الدول الأكثر انتهاكا لحرية الصحافة بالعالم، حيث سجلت المرتبة 163، بين قائمة تضم 180 بلدا، بمؤشر حرية الصحافة لعام 2019، وفق التصنيف السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود".

وفي الوقت الذي يقبع فيه نحو 67 صحفيا بالسجون في تهم "مسيسة" وقضايا تتعلق بأدائهم مهنتهم، يعاني العشرات منهم من الفصل والتشريد والتضييق في العمل، وفق تقرير المرصد العربي لحرية الإعلام عن 2019.

"موقف النقابة"

ولم يصدر من نقابة الصحفيين المصريين أي رد فعل رسمي حتى الآن عن حجب "درب"، إلا أن عضو مجلس النقابة ورئيس لجنة الحريات بها الكاتب الصحفي عمرو بدر، قال إن "إغلاق درب جزء من التضييق والحصار المفروض على الصحافة من عدة سنوات".

واعتبر بدر، في حديث لـ"عربي21"، أن ذلك الحجب والتضييق على الصحافة يأتي "استمرارا لسياسة الصوت الواحد".

وعن موقف النقابة من الأزمة الجديدة، أوضح أن "مجلس النقابة يحاول أن يساعد في قضية الحجب، لكن دون إحراز أي تقدم حتى هذه اللحظة".

وكان بدر، قد أعلن تضامنه مع الصحفيين في "درب"، ومع رئيس تحريره خالد البلشي، مشيرا عبر صفحته بـ"فيسبوك"، إلى أن "موقع درب صادر بترخيص من حزب شرعي هو حزب التحالف الاشتراكي"، ومعلقا بقوله: "لكن للأسف الاستبداد لا ينتهي".

"لهذا حُجب درب"

وفي رؤيته لأسباب حجب النظام موقع "درب"، قال الكاتب الصحفي حازم حسني: "لأنه موقع خارج سيطرة جروبات واتس آب التي تُملي على كثير من رؤساء التحرير ما يجب أن ينشروه وما عليهم أن يحذفوه".

وفي تقديره للموقف، أوضح الصحفي المهتم بملف حقوق الإنسان، لـ"عربي21"، أن "موقع درب كان وحيدا في تمثيل الصحافة الحقيقية التي تعبر عن الناس بشكل حقيقي وليس السلطة، كما هو حال الغالبية العظمى من الصحف والمواقع الموجودة الآن".

وتابع: "أضف إلى ذلك أن الموقع يصدر عن حزب يساري يطالب بالعدالة الاجتماعية، وعدم استغلال طبقة الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال للفقراء الذين لا يملكون سوى عرقهم وجهدهم؛ تلك الجريمة الرأسمالية التي ظهرت بوضوح خلال أزمة كورونا".

وأردف الصحفي المصري بجريدة الأخبار القومية: "وبالتالي كان ضروريا بالنسبة للجلادين أن يقمعوا ويخفوا موقعا صحفيا يعبر عن هذا الحزب وهذه الأفكار التي من المؤكد أنها سوف تفضح الرأسمالي والجلاد الذي يحميه".

وأضاف بجانب ما سبق، أن "الزميل خالد البلشي، هو رئيس تحرير الموقع، وكان متوقعا أن يحدث معه ذلك في إطار حملة التضييق التي يواجهها الصحفيون المعارضون للسلطة".

ويرى الصحفي المعارض، أن "حجب موقع درب، بلا شك يمثل ضربة جديدة لليسار المصري لا تقل عن حملات الاعتقال التي يتعرض لها العديد منهم، فالآن أصبح اليسار لا يملك صحافة تعبر عنه وعن أفكاره".

وأخيرا، أكد حسني، أن "افتقاد الصحافة الحرة هو ضربة للشعب المصري كله؛ إذ أن الشعب الذي يُحرم من الحقيقة والرؤى والآراء المختلفة، والذي يعتمد على رأي واحد تفرضه عليه السلطة لا يتقدم أبدا، ويبقى فريسة لفيروسات الجهل والاستغلال".

وفي رؤيته لأسباب حجب "درب"، قال الكاتب الصحفي المعارض حسن حسين: "الإجابة لا تحتاج إلى شرح وتفصيل وإسهاب، كل الأنظمة الفاشية المستبدة لا تتحمل كلمة واحدة معارضة أو قصيدة ناقدة أو أغنية رافضة".

"ليس غريبا.. بل متوقع"

حسين، أضاف بحديثه لـ"عربي21": "لم يفاجئني قرار الحجب، لا جديد فيه؛ فلم يحدث تغييرا جوهريا ولا حتى شكليا في طبيعة النظام الحاكم وانحيازاته، وبالتالي فكل ما يمكن أن يفعله نحو مزيد من التشدد والقمع ليس غريبا عليه ويجب أن نتوقعه".

وحول المواقف المحتملة والأكثر فاعلية من تيار اليسار والمعارضة المدنية والصحافة "الحرة" تجاه النظام، يرى الناشط المصري، أنهم جميعا "لا يملكون الإرادة للقيام بذلك، وخاصة أنهم بلا رديف جماهيري يدعمهم".

"قمة الغباء والترصد"

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتب عضو مجلس نقابة الصحفيين، هشام يونس، أن "ما يحدث مع تجربة مهنية محترمة مثل موقع درب هو قمة الغباء، وما يحدث مع الصحفي المبدئي خالد البلشي هو قمة الترصد".

وأشار إلى أن "الظروف تستلزم الاصطفاف الوطني في مواجهة أزمة كورونا، إلا أن هناك من يُصر على أن يشغلنا بالبحث عن ذواتنا".

وأكد أن "هناك من يستكثر علينا أن نصل للحقيقة عن طريق موقع ينحاز للمهنية ولهموم الناس وسط عشرات وربما مئات من المواقع التي تخدم مصالح رجال الأعمال ورجال السلطة".