أفكَار

النخب واشكالية مناعة الأمة العضوية والحصانة الروحية (5)

أبو يعرب المرزوقي: أوهام الإرادة غير العاقلة تجعل الإنسان يتصور أن كل ما يفكر فيه ويتخيله حقيقة

يقدم الفيلسوف التونسي البروفيسور أبو يعرب المرزوقي، في هذه الأوراق التي تنشرها "عربي21"، بالتزامن مع نشرها على صفحة الدكتور أبو يعرب على صفحته الرسمية، قراءة علمية لواقع النخب في العالم العربي، وعلاقتها بالتغيير المنشود.. 

ومعلوم أن أولى خطوات العلاج أو الحكم على الشيء تبدأ أولا من التشخيص، وهذا ما انطلق منه الدكتور أبو يعرب في محاولة لتفكيك مفهوم النخبة وعلاقته بالمجتمع في مختلف مكوناته المعرفية والدينية والاقتصادية والسياسية. 

وإذ تنشر "عربي21" هذه الورقة بشكل أسبوعي كل يوم جمعة، على مجموعة من الحلقات، فإنها تسعى لتوسيع النقاش بين المنشغلين بقضايا الفكر العربي حول دور النخب في صناعة التغيير الجاد، وإنجاز مطالب الشعوب في التنمية على جميع المستويات..


ما المقصود بدين العجل؟

ما القصد بدين العجل؟ وكيف يكون له كل هذا السلطان على الإنسان؟ هذه هي الإشكالية المركزية  لفصول المحاولة الخمسة حول "النخب واشكالية المناعة العضوية والحصانة الروحية" للجماعات البشرية. 

ولا يمكن شرح بلوغ دين العجل إلى السلطان المطلق على كل النخب من دون درس كل التكوينية التي تبدأ بسلطان المائدة والسرير وفنيهما إلى سلطان العملة في التبادل وسلطان الكلمة في التواصل. فالمشكل هو: ما يجعل العملة التي لا قيمة ذاتية لها من حيث كيانها المادي تصبح رمزا لكل قيمة اقتصادية في الأذهان وفي الأعيان بفضل نيابتها بقيمتها الشرائية التي يوليها إليها نظام التبادل في الجماعة. وما يجعل الكلمة التي لا معنى ذاتي لها من حيث كيانها المادي تصبح رمزا لكل معنى ثقافي في الأذهان وفي الاعيان، لولا كونها تنوب بمعناها التبليغي الذي يوليه إليها نظام التواصل في الجماعة.

ولهذا فإن العملة يمكن أن تفقد قيمتها الشرائية في حالة تضخمها فتصبح ذات نوعين من القيمة الإسمية والشرائية الفعلية.

ولهذا فإن الكلمة يمكن أن تفقد قيمتها التبليغية في حالة تضخمها فتصبح ذات نوعين من المعنى الإسمي والتواصلية الفعلية.

وتجمع الظاهرتان في حالة الانفصال بين القيمة الاسمية والفعلية والمعنى الإسمي والفعلي لتصبحا دالتين على مرض عضال يصيب التبادل والتواصل الفعليين ورمزيهما اللذين يصبحان دالين على الثروة والتراث الزائفين اللذين ليس لهما فاعلية حقيقية، بحيث إن كثرة أوراق العملة وكثرة ألفاظ اللغة تصبح معيارا للانفصام بين حقائق الاقتصاد والثقافة وأوهامهما اللذين لا يدل الطابع الرمزي لهما إلا عليهما. 

وهذا ما يجعل العملة عديمة القوة الشرائية والكلمة عدمية القوة التواصلية والهروب إلى بدائل منهما ليس بالنكوص إلى التبادل بالمقايضة والتواصل بالإشارة  بل باستعمال عملة أجنبية ولغة أجنبية بديلين من العملة الوطنية واللغة الوطنية. 

وهذه الظاهرة هي ذروة التبعية لأنها تتعلق بأساس التبادل الاقتصادي والعمران، أي مقياس الثروة في ترجمتها الرمزية (العملة) وبأساس التواصل الثقافي والاجتماع، أي مقياس التراث في ترجمته الرمزية (الكلمة).

لا بد إذن ومن الانتقال المتدرج في مستويات هذه الترجمة التي تجعل كل شيء تقدر قيمته بالعملة ويحدد معناه بالكلمة. 

عن التراث والثروة وموقع الإنسان بينهما

ولهذا السلم درجات بين هذين الحدين المادة والسرير وفنيهما. فهما البعدان القاعديان للتعين العضوي والروحي لكيان الإنسان في علاقته بالطبيعة وبالتاريخ خارج ذاتها بوصفهما بيئة قيامها وبكيانه العضوي وكيانه الروحي في ذاته بوصفهما عين كيانه بتوسط الثروة للعلاقة الأولى وبتوسط التراث للعلاقة الثانية.

والثروة والتراث كلاهما له تعين مادي وروحي أو فعلي ورمزي. والثروة في علاقتها بالإنسان هي ملكيته لكيانه العضوي ولشروط بقائها خارجه. والتراث في علاقة بالإنسان هو ملكيته لكيانه الروحي ولشروط بقائه خارجه. والملكية الأولى ذات علاقة بالجغرافيا وملكية المكان. والملكية الثانية ذات علاقة بالتاريخ وملكية الزمان. فنصل إلى علاقة بين الأحياز الخمسة المحيطة بالإنسان شرطا خارجيا لقيامه العضوي والروحي وما ورائها وبين نظائرها في كيانه العضوي والروحي أي بدنه ووعيه بذاته وبمحيطة وما ورائهما. 

والماوراءان يمثلان بداية الخروج من عالم الشهادة إلى عالم  الغيب. فما ينسب إلى الأحياز الخمسة الخارجية والخمسة الذاتية قدرة على خلق كل ذلك وأمره يجعلان الإنسان ينتقل من الماوراء المجرد إلى تجسيمه في أوثان. وتلك هي بداية تأليهه لقوى تنسب إلى الاحياز المحيطة بالإنسان، أي الطبيعة والتاريخ والثروة والتراث والمرجعية المؤسسة لهذا التوثين، ثم إلى الأحياز الذاتية للإنسان، أي بدنه وروحه وما فيهما من قوة حيوية وروحية والمرجعية المؤسسة للوعي بالذات ومنزلة صاحبها في عالم الشهادة وفي العالم الذي ينسب إليه الخلق والأمر سواء أكان مفارقا أو محايثا. 

وغالبا ما ينتهي الإنسان على قيس الغائب على الشاهد فيعتبر الخلق صناعة ومنه نظرية الهيلومورفية اليونانية وقد تبناها كل فلاسفة الإسلام بحيث صار الله يسمى صانعا والأمر سياسة ومنه نظرية مجرى احداث العالم باعتبارها سياسة إلهية للعالم. وتلك هي العبارة الأولى عن المعادلة الوجودية التي سبق أن درسناها. 

 

العملة فاعلية رمزية مطلقة. وهي تعطي لصاحبها وهم الخلق التألهي أي السلطة المطلقة بفرض الإرادة عاقلة كانت أو غير عاقلة. والكلمة رمزية فاعلة مطلقة وهي تعطي لصاحبها وهم الأمر التألهي، أي السلطة المطلقة بفرض المعرفة سواء كانت عاقلة أو غير عاقلة.

 


وإذن فلا يمكن الشروع في درس مسألة العجل قبل تقديم مقدمتين: أولاهما فلسفية وهي عند فصلها عن الثانية تكون ما وصفته بـ"المعرفة العاقلة" التي تفترض الشرط الذي لا يحصل إلا متأخرا وكأنه حاصل من البداية. وهو ما يجعل النظر مقدما على العمل والفكر على التجربة وتراكمه في الفلسفة. وهو أمر لا وجود له فعلا قبل أن يعود التفكير إلى ما تراكم لدى الوعي من تجارب يقيس بها على ما شهده منها ما لم يشهده بعد بافتراض الوجود مطرد النظام. وهو موقف عقدي أو على الأقل افتراضي. وإطلاقه يؤدي إلى الجمود الناتج عن وهمي المطابقتين المعرفية والقيمية بين ما في الأذهان وما في الأعيان أولا وخاصة بين عالم الشهادة وما يعلو عليه لأنه لا يكتفي بالشاهد منه بل يفترض ما وراء إما مفارق له أو محايث فيه. 

ولذلك فحتى القول بوحدة الوجود فإنها مؤلفة حتما من زوجين اثنين: مبدأ الفاعلية ومبدأ الانفعالية فيه مثل القول بالطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة أو بالرب والمربوب.

والثانية دينية: وهي عند فصلها عن الأولى تكون ما وصفته بـ"الإرادة العاقلة" التي لا تفترض الشرط بل تجعل نفسها رهينة حصوله لأنها تدرك أن ما تجهله أكثر مما تعلمه. وتعتبر كل ما يحصل وكأنه فعل إرادة حرة نظامها لا نعلم خياراته ما هي فيكون رهاننا على خيارها عقدا لا علما.. والثابت أن الإنسان مهما تحايل لا يستطيع توهم أن نظام فعلها مطابق لنظام فعل الإنسان فيقاس عليه لأن الإنسان نفسه ليس صانع نفسه بخلاف وهم القائلين بالوجود مقدما على الماهية.. لكأن حرية الإنسان تعني أنه صانع نفسه عضويا وروحيا أو لكأن ما يحققه بهما يبدأ من الصفر. لكن وجوده وبقاءه يثبتان له بالتجربة المعيشة مصدرا لنظام الإرادة والمعرفة والتقييم أنه يمتنع تصورهما من دون الحد الأدنى من الجماعة أي الأسرة، إذ كل فرد شرط وجوده فردان ذكر وأنثى ومحيط أدنى يستمدان منه مصدر قيامهما العضوي والروحي، أولهما هو مصدر المائدة والسرير والثاني هو مصدر النظام الذي يجعلهما في خدمته إلى أن يصبح قادرا على القيام بذاته. 

وهذه العلاقة إذا طبقناها على من تقدم عليه من الأفراد تجعل كل فرد صرنا نعلم الآن أنه حصيلة متوالية هندسية أوصلت إليه إذا عدنا منه إلى كل البشر السابقين. فيكون منطلقها من حدود علم الإنسان ومن نقصان عمله ومن افتراض التراكم فيهما، بمعنى أن الإنسانية كلها ومحيطها من شروط قيام الفرد وهي في علاقة مباشرة مع إرادته. 

وهذه العلاقة المباشرة هي التي تجعلها إرادة عاقلة أي واعية بحدودها، إذ هي تنطلق من حدود قدرتها المعرفية والقيمية وليس من توهمهما مطلقتين ومطابقتين. وكلتاهما تتعلقان بالثورة التي قلبت سلم العلوم في فلسفة ابن خلدون بالقياس إلى سلمها في فلسفة أرسطو عند اليونان وابن سينا في فلسفة المسلمين وقبله الغزالي وابن تيمية وابن خلدون.. أي ثالوث المدرسة النقدية الفلسفية في الإسلام. فأصبح علم العمران البشري والاجتماع الإنساني مقدما على الميتافيزيقا. 

تحرير الحضارة الإسلامية

وهذه الثورة هي التي انطلق منها للنظر في دور المدرسة النقدية لفهم سر فشلها في جعل فكرها يصبح قادرا على تحرير الحضارة الإسلامية مما خضعت له من تقليد للقول بالمطابقتين في فلسفة اليونان وكلام المسيحية واليهودية قبلها.

ونفس هذا التقليد عاد من جديد بسبب نكوص فلسفة هيجل وماركس إلى المطابقتين بعد نقد هيجل للنقد الكانطي الذي حاول استخراج منطق الفكر الحداثي الذي بدأ صوغه النظري مع ديكارت علما وأن نشأته لم تنظر الصوغ النظري بل هي مقدمة عليه.. وقد كانت بداية الإصلاحين الديني والسياسي أو إصلاح علاقة العالمين، عالم الغيب وعالم الشهادة في الأذهان والنظر وفي الأعيان والعمل.

فديكارت هو أول من اعتبر العلم لا يصل إلى المعرفة العاقلة  إلا بمحاولة السيطرة على الإرادة ليجعلها عاقلة لأنها توهم صاحبها بالإطلاق فيصبح عاجزا عن التمييز بين الإمكان المنطقي والامكان الفعلي. ولو ترك لها الحبل على الغارب لأصبح العلم العاقل مستحيلا ولكانت كل العلوم زائفة مثل علوم المتصوفة التي لا تميز بين خيالاتهم المرضية والمعرفة بقوانين الطبيعة أو بسنن التاريخ. 

فأوهام الإرادة غير العاقلة تجعل الإنسان يتصور أن كل ما يفكر فيه ويتخيله حقيقة وأنه يعلمه. ولذلك فمفهوم المفكر فيه الأوسع من القابل للعلم هو بداية التمييز بين عالمين يمكن اعتبار أحدهما رمزا لعالم الشهادة والثاني رمزا لعالم الغيب. لكن ديكارت لم يصل إلى هذا المعنى. وحتى كانط الذي اقترب منه فإنه لم يبلغه لأنه تصور الظاهرات والحقائق متعلقتين بنفس العالم، إذ الأولى هي ما يظهر والثانية ما يبطن من الشيء، بحيث إن الإنسان عنده ليس محجوبا عن عالم مختلف عن عالم الشهادة إلا بكون هذا هو الظاهر منه وذاك هو الحقيقة. فيكون ما نعلمه ظاهرا مما لا نعلمه لكنهما كلاهما من عالم واحد هو عالم الشهادة. 

ما يعني أن العلم معرفة باطلة والحقيقة جهل مطلق. وكلاهما من عالم الشهادة. وهو ما جعل المثالية الألمانية كلها تدور حول إزاحة هذه المقابلة المتناقضة. وكان الحل إما هيجليا برد الشيء إلى ظاهراته أو حل صاحب الإرادة والتصور ـ آرثر شوپنهاور ـ بالفصام الدائم بين المعرفة والوجود في عالم الشهادة. 

وطبيعي أن تكون النهاية هي ما بعد الحداثة التي انتهت إلى ان الوجود هو الظاهر الذي تنتجه الإرادة غير العاقلة لأن الوجود بلا عقل. لكن المجهول من عالم الشهادة غير الغيب. اعتباره هو الغيب يجعل عالم الشهادة العالم الوحيد الممكن. فالغائب يمكن أن يصبح معلوما بالتدريج وبحسب تقدم العلم في حين أن الغيب لا يمكن أن يعلم لأنه مشروط بالممتنع على الإنسان أي الإحاطة النظرية والكمال العملي، وهو معنى المطابقتين وحب التأله الذي هو تحريف الأديان والفلسفة أو الإرادة اللاعاقلة. 

والمعرفة العاقلة هي التي تدرك ذلك فتنفي المطابقة في عالم الشهادة معرفة وتقييما لأن شرطهما هو جعل علم الإنسان محيطا وعمله تاما فيكون لا فرق بينه وبين ما وراء عالمه وما وراء ذاته حتى لو اعتبرهما محايثين لعالم الشهادة في كيان محيطه الطيبعي والتاريخي وفي كيانه الذاتي عضويا وروحيا.

 

طبعة العمران البشري


وقد بينت أن العمران البشري يعتبره ابن خلدون اجتماع البشر لسد الحاجات المادية، أي العلاقة بالطبيعة مصدر قيامهم العضوي والعلاقة بالتاريخ مصدر نظام تعاونهم على حماية شروط قيامهم العضوي داخليا وخارجيا، أي مصدر الاقتصاد وشوكة الدولة وعلة شرعيتها. كما بينت أن الاجتماع الإنساني يعتبره ابن خلدون اجتماع البشر لسد الحاجات الروحية التي يجمعها تحت مفهوم الأنس بالعشير. 

وقد بينت كذلك أن الأنس بالعشير يعني حل مشكل المائدة والسرير ومشكل فنيهما اللذين يرفعانهما إلى ما يتجاوز مجرد سد الحاجات المادية ما يعني أن الأنس بالعشير يتعلق بما يصحبهما من فنون وليس بهما في ذاتهما لانهما من حيث علاقتهما بالغذاء وبالجنس عامة تابعان للعمران البشري.

والجمع بين الاجتماع الإنساني والعمران البشري والحاجات بنوعيها يصوغه ابن خلدون بمفهوم لم يسبق له اعتبره المحدد الأساسي لكل ما يجري في العمران وفي الاجتماع وفي البشرية والإنسانية بعدي الإنسان هو مفهوم "نحلة العيش"، التي يميز فيها جنسين لكل منهما أنواع متدرجة هي مراحل تكوينية الإنسانية بين حديين اقصيين هما بداية العمران والاجتماع ونهايتهما، أي أقصى البداوة بداية وأقصى الحضارة غاية.

 

الجمع بين الاجتماع الإنساني والعمران البشري والحاجات بنوعيها يصوغه ابن خلدون بمفهوم لم يسبق له اعتبره المحدد الأساسي لكل ما يجري في العمران وفي الاجتماع وفي البشرية والإنسانية بعدي الإنسان هو مفهوم "نحلة العيش"،

 



فإذا طبقنا على هذه الرؤية ما قلناه عن الإرادة العاقلة في رؤية هذه المدرسة مقابل المعرفة العاقلة في رؤية المدرسة اليونانية التي ورثها فكر المسلمين الفلسفي مثلث أفلاطون وأرسطو أو قوى النفس واعتبار الأولى رئيسة: العقل والثانية أداتها لحماية النظام العقلي الحكيم: الغضب والأخيرة لسد الحاجات: الشهوة وما يترتب عليه من جعل المعرفة العاقلة أداة الإرادة العاقلة بات من الواجب أن نميز بين نوعين من الأداة ونوعين من الغايات وأصلا لها أربعتها:

فالأداة الأولى هي المعرفة العاقلة التي تخدم الإرادة العاقلة في علاقتها بالطبيعة حول الإنسان وفيه وبالحياة خارجه وفيه من حيث طبائعها ومن حيث دورها في العمران البشري: ولنسم هذه المعارف علوما طبيعية.

والأداة الثانية هي المعرفة العاقلة التي تخدم الإرادة العاقلة في علاقتها بالطبيعة وبالتاريخ حول الإنسان وفيه وبالحياة خارجه وفيه ليس من حيث طبائعها ولكن من حيث دورها في الاجتماع الإنساني:
 
ولنسم هذه المعارف علوما إنسانية، فتكون العلوم على نوعين: طبيعية تقنية ذات علاقة بالخلق الطبيعي والحيوي وهي بالجوهر أصل سلم العلوم الفلسفي وإنسانية قيمية ذات علاقة بالأمر الجمالي والخلقي وهي بالجوهر أصل سلم العلوم الديني. 

لكن سلم العلوم الفلسفية يكتمل بسلم العلوم الديني والعكس بالعكس، بمعنى أن الفلسفي ينتهي إلى الديني والديني ينتهي إلى الفلسفي وذلك هو المقصود بالواحد فيهما وهو أساس استراتيجية القرآن في فصلت 53.

وفي الاستدلال القرآني على وجود الله بالانطلاق من فعليه، أي الخلق بـ"كن" الخالقة وجود عن عدم والأمر بـ"كن" الآمرة كيف معين من بين ما لايتناهى من الكيفيات الممكنة. وبذلك تصبح ذروة الهرم الذي يمثل النظام الجامع بين الإرادة العاقلة والمعرفة العاقلة مؤلفا من قلب هو العلم السيد أي العمران البشري والاجتماع الإنساني في رؤية ابن خلدون.

وله قاعدة مربعة. مقومها الأول علوم الإنسان بصنفيها الجمالي والخلقي ومقومها الثاني علوم  الطبيعة بصنفيها الطبيعي والحيوي. وكلها تستعمل العلوم الأدوات بصنفيها الذي يغلب على علوم الإنسان أي اللسان والذي يغلب على علوم الطبيعة أي المنطق والرياضيات مع حضور الأصناف الأربعة فيها جميعا بأقدار متفاوتة. 

 

سلم العلوم الفلسفية يكتمل بسلم العلوم الديني والعكس بالعكس، بمعنى أن الفلسفي ينتهي إلى الديني والديني ينتهي إلى الفلسفي وذلك هو المقصود بالواحد فيهما وهو أساس استراتيجية القرآن

 



وكل العلوم الأدوات لها أصل واحد هو علم الآيات أو الوسميات أو السيميوتكس التي تمكن من فهم معنى الترميز الذي هو أساس كل العلوم بأنواعها الأربعة الغائية (الطبيعية والإنسانية) والأداتية (المنطق والرياضيات واللغة والتاريخ). وبذلك تتبين العلاقة مع مسألة دين العجل ودوره بنية عميقة توحد بين الديني والفلسفي عامة وبينهما في تعينهما السياسي خاصة أي في النظام الثيوقراطي والنظام الانثروبوقراطي بوصفهما طرفين متقابلين في الظاهر. لكنهما متلازمان في العمق رغم ما يبدو من تضادهما في المظهر لأن البنية العميقة واحدة وهي إما بنية دين العجل وهي الغالبة أو محاولات التخلص منها وهي المعركة الأساسية بين سياسة لعالم الشهادة لا تؤمن بغيره وسياسته بالاحالة إلى مرجعية متعالية عليه هي المشترك بين الديني والفلسفي المتحرر من الأخلاد إلى الأرض وحب التاله الذي درسه ابن خلدون باعتباره علة كل استبداد وفساد في الجماعات البشرية .

فلمعدن العجل علاقة بمفهوم العملة ودورها. ولخواره علاقة بمفهوم الكلمة ودورهما. لأنه شكلهما بعد أن يصبحا ربا الأولى هي أصل ربا الأموال وشرطه الميسر لتحول العملة إلى تحريف التبادل. فهي تنتقل من أداة التبادلة إلى سلطان على المتبادلين. والثانية هي أصل ربا الأقوال وشرطه الميسر لتحول الكلمة إلى تحريف التواصل فهي تنتقل من أداة التواصل إلى سلطان على المتواصلين. وكلتاهما مساعدة للاخرى في التحريف. 

وهذه القابلية للتحول إلى سلطة على المتبادلين وعلى المتواصلين بالاعتماد على ربا الأموال وعلى ربا الأقوال هي علة وجود دين العجل في الإرادة العاقلة وفي المعرفة العاقلة وفي دوريهما في السياسية بمعناها العام الذي يشمل سياسة العمران البشري وسياسة الاجتماع الإنساني، أي سياسة سد الحاجات المادية وسياسة سد الحاجات الروحية.

فالعملة فاعلية رمزية مطلقة. وهي تعطي لصاحبها وهم الخلق التألهي أي السلطة المطلقة بفرض الإرادة عاقلة كانت أو غير عاقلة. والكلمة رمزية فاعلة مطلقة وهي تعطي لصاحبها وهم الأمر التألهي، 
أي السلطة المطلقة بفرض المعرفة سواء كانت عاقلة أو غير عاقلة. ودور العجل هو دور العملة ممثلة للإرادة. وهو دور الكلمة ممثلة للمعرفة. 

لكن العملة من حيث هي ربا الأموال والكلمة من حيث هي ربا الأقوال هما التحريف المطلق للإرادة العاقلة وللمعرفة العاقلة، أي تحريف المشترك بين الدين والفلسفة. 

ويكون ذلك إما من: مدخل تحريف الدين الذي يبدأ بتحريف الإرادة العاقلة وهو المعنى العميق لحب التأله لأن فقدان الإرادة للعقل يجعلها تتوهم أنها فعالة لما تريد. وهذا يلغي كل إمكانية للمعرفة العاقلة التي تتحول بالتحريف إلى توهم الإحاطة لعدم التمييز بين الحقيقة والخيال. أو من مدخل تحريف الفلسفة الذي ينعكس فيه ما حصل في المدخل الأول. 

فتحريف المعرفة العاقلة يولد وهم الإحاطة المعرفية وينتهي إلى تحريف الإرادة العاقلة فيولد وهم صاحبه أنه فعال لما يريد. وهو ما يعني أن الفعل السياسي في الحالتين يمكن أن يصبح معتمدا بالجوهر على دين العجل سواء كان على أساس فلسفي أو على أساس ديني مخادعين، وذلك هو أصل الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا وهما من طبيعة واحدة: فكلاهما يعرف نفسه بنفي الثاني فيكون الثيوقراطي هو من يعرف نفسه باستمداد سلطانه من حق إلهي ملغ الحق الإنساني ويكون الانثروبوقراطي من يعرف نفسه باستمداد سلطانه من حق إنسان ملغ للحق الإلهي. 

وبين هذين الحدين توجد أنظمة ثلاثة أولها النظام الذي يحاول الجمع بين الحقين بغلبة الحق الإلهي المؤنس والثالث عكسه جمعا بين الحقين بغلبة الحق الإنساني المؤله والوسط بينهما يناوس بينهما بمفهوم حب التأله.