كتاب عربي 21

السياسات الاقتصادية التركية تحتاج إلى تغيير جذري

1300x600

أقال رئيس الجمهورية التركية الأسبوع الماضي حاكم المصرف المركزي مراد أويصال من منصبه وعين مكانه وزير المالية السابق ناجي إقبال، وذلك بعد هبوط سعر صرف العملية المحليّة الليرة إلى مستويات قياسيّة. أويصال ليس المسؤول الأوّل الذي يتم إقالته من رئاسة المصرف المركزي. ولئن كان سبب إقالته على الأرجح هو عدم قدرته على كبح تراجع سعر صرف العملة، إلاّ أنّ إقالة من سبقه من نفس المنصب ارتبطت في الغالب بالصدام الذي حصل بينهم وبين رئيس الجمهورية حول السياسة النقدية وسعر الفائدة. 

يرى الرئيس ضرورة عدم رفع سعر الفائدة وذلك من أجل تفادي حصول انهيار في نسبة النمو المرتفعة في البلاد بشكل يؤدي إلى صدمة اقتصادية. في المقابل، يرى الخبراء الاقتصاديون ضرورة رفع الفائدة لمنع تدهور العملة وكبح جماح التضخم والحفاظ على الاحتياطي النقدي وإن جاء ذلك على حساب النمو الاقتصادي في البلاد. هذا الاختلاف حول السياسة النقدية في البلاد، فضلاً عن السياسة الاقتصادية، ليس مستجدّاً وإنما يعود إلى بضع سنوات إلى الوراء، وقد راح ضحيّته عدّة مسؤولين في السابق نظراً لتمسّك رئيس الجمهورية بأولويّة الحفاظ على النمو.

بعد يوم واحد من إقالة أويصال، أعلن براءت البيرق، وزير الخزانة والمالية وصهر أردوغان، أنّه سيتنحى عن منصبه لأسباب صحّية، وقد نشر ذلك على صفحته على أنستغرام. اجتهد البعض في تفسير هذه الاستقالة سيما وأنّها لم تتم بالطرق التقليدية المتعارف عليها، فذهب البعض إلى القول إنّ البيرق استقال اعتراضاً على إقالة حاكم المصرف المركزي وتعيين آخر دون إطلاعه على الأمر، فيما ذهب آخرون إلى القول إنه استقال بسبب خلاف في التوجهات الاقتصادية. 

بغض النظر عن هذه الإجتهادات، يشير الوضع الاقتصادي في البلاد إلى أنّ هناك مشكلة غير ظرفيّة على الأقل منذ العام ٢٠١٨، وأنّ التمسّك بنفس السياسات المتّبعة منذ حينه لن يساعد على تجاوز بل سيُفاقم تداعياتها، لذلك لا بد من القيام بتضحيات مترافقة كذلك مع تغييرات جذرية في السياسات الاقتصادية بشكل يساعد على التخفيف من وطأة الأزمة حالياً ما لم تكن قادرة على مساعدة الاقتصاد المحلي على تجاوز الأزمة.  

لقد أدّت التغييرات الأخيرة في المناصب وتعيين الوزير السابق لطفي ألوان مكان البيرق إلى ردّة فعل إيجابية في السوق وإلى ارتفاع سريع في قيمة العملة المحليّة، لكن ذلك سيكون بمثابة مسكّن على الأرجح ولن يكون كافياً ما يتم تتبعه من تغيرات مهمّة في السياسة الاقتصادية والمالية في البلاد. في خطابه بُعيد هذه التطورات، قال رئيس الجمهورية إنّ سياسة بلاده الاقتصادية الجديدة تمنح فرصا كبيرة للمستثمرين الأجانب عبر الاستناد إلى ثلاثة ركائز أساسية هي "استقرار الأسعار، والاستقرار المالي، واستقرار الاقتصاد الكلي".

 

يشير الوضع الاقتصادي في البلاد إلى أنّ هناك مشكلة غير ظرفيّة على الأقل منذ العام ٢٠١٨، وأنّ التمسّك بنفس السياسات المتّبعة منذ حينه لن يساعد على تجاوز بل سيُفاقم تداعياتها، لذلك لا بد من القيام بتضحيات مترافقة كذلك مع تغييرات جذرية في السياسات الاقتصادية بشكل يساعد على التخفيف من وطأة الأزمة

 



وأشار كذلك إلى أنّه مصمم على جعل تركيا "مركز جذب للمستثمرين المحليين والدوليين بمخاطر منخفضة وثقة عالية وأرباح مرضية". لكن مثل هذه التصريحات ليست جديدة، إذ لطالما ركّزت الحكومة التركية على أهميّة جذب المستثمرين من الخارج في وقت قرّر فيه معظمهم تسيير الاستثمارات باتجاه معاكس إلى الخارج. وعليه، فإنّ المستثمرين الأجانب سيولون اهتماماً أكبر في المرحلة المقبلة لما يرونه لا لما يسمعونه، ولعلّ النتائج الفورية للتغييرات الأخيرة في المناصب الرسمية خير دليل على ذلك. 

خلال العقد الماضي، ركّزت الحكومة بشكل كبير على الاستثمار في قطاع العقارات والإنشاءات، وهو قطاع يؤمّن النمو المطلوب وتحريك العجلة الاقتصادية للبلاد لكن أثبتت التجارب الدولية أنّه سيصل إلى مرحلة يكون فيها بمثابة فقّاعة اقتصادية وهو ما يقول البعض إنّه حصل بالفعل. علاوةً على ذلك، فإنّ حالة عدم الاستقرار في جوار تركيا تؤثّر بشكل كبير على سياسة التصنيع للتصدير التي تعتمدها أنقرة، ومن دون استقرار حقيقي للإقليم سيكون عليها مضاعفة جهدها لإيجاد أسواق جديدة والدخول في أسواق بعيدة. 

هناك حاجة ملحّة لأن تشهد البلاد تغييرات حقيقية على مستوى السياسات الاقتصادية والنقدية والتركيز على الاستثمار في القطاعات التي تساعد على تأمين العملة الصعبة للبلاد وتصدير منتجات ذات قيمة مضافة عالية. صحيح أنّ القطاعات التي تنتج السلع ذات القيمة المضافة العالية تحتاج إلى وقت وإلى جهد وإلى استثمارات ضخمة، لكنّها أكثر فائدة للاقتصاد وللدولة وللمستثمرين على المدى البعيد. 

ولعلّ قطاع الصناعات الدفاعية المحلي خير مثال على ذلك. لقد قطع هذا القطاع أشواطاً كبيرة في السنوات القليلة الماضية، وإن لم يكن قد بلغ مرحلة النضوج والاستقرار بعد. لكن تكرار تجربته في قطاعات أخرى مرتبطة بالتقنيات والبرمجيات والتكنولوجيا قد تساعد تركيا بشكل أكبر. ربما يقول البعض إنّ الوقت الآن غير ملائم لذلك، وأنّ هناك حاجة لإيقاف النزيف الاقتصادي أولاً، وهو أمر صحيح، لكن في نهاية المطاف، ما لم يحصل هناك تغيير ملموس في السياسة الاقتصادية والنقدية فإنّ الجهود التي ستُبذل ستذهب على الأرجح سدى، وسيترك ذلك تأثيرات سلبية ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، وإنما على مستويات أخرى كذلك.