قضايا وآراء

الرهان على غير شعب مصر رهان خاسر

1300x600
انتهت الانتخابات الأمريكية بفوز بايدن الذي تعامل معه غالبية المستضعفين في المنطقة باعتباره طوق النجاة وقشة الغريق.. قد يكون لهم العذر، فالتيارات المدنية السلمية لا تملك إلا الأفكار، تناضل بها وتجمع حولها المؤيدين والأنصار، وعندما يملك الطرف الآخر البندقية وصندوق الذخيرة، لا صندوق الاقتراع، فالمعركة شبه محسومة، لذا كان تعلق المعارضة المصرية بصفة خاصة بالساكن الجديد للبيت الأبيض.

لكن التاريخ والواقع يقولان إن القادم لا يختلف جوهريا عن القائم، فكلاهما وجهان لعملة المصالح الأمريكية في المنطقة، يؤكد ذلك موقف إدارة أوباما من الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب، ومن الاعتقالات والقتل والمذابح التي ارتكبت أمام الدنيا.

تؤكد ذلك أغلب التقارير المطروحة حول طبيعة فرق العمل القادمة مع بايدن. نعم، قد تصدر بعض التصريحات شديدة اللهجة على انتهاكات بعينها دون غيرها (المبادرة المصرية للحقوق الشخصية نموذجا)، وقد تضغط أمريكا بايدن في بعض الحالات الخاصة، لكن يبقى الوضع على ما هو عليه من السجن والاعتقال والقمع والفساد وعسكرة الدولة في كل مؤسساتها، التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية، فضلا عن الاقتصاد الذي تغولت فيه المؤسسة العسكرية لعمق ليس له قاع.

الواقع أن سياسة السيسي تعتمد الاحتماء بالمنظومة المالية العالمية وفي ثلاثة مكونات، أولها الاعتماد المتزايد على القروض الخارجية لتمويل العمليات الحكومية ومشاريع البنى التحتية الكبرى، وثانيها زيادة صفقات السلاح، ما جعل من النظام المصري ثالث أكبر مستورد للأسلحة عالميا بين عامي 2015 و2019، وثالثها ارتفاع مستوى الاستثمارات الخارجية المباشرة في قطاع النفط والغاز المصري.

هذه العوامل تشكل أساسا للاعتماد الدولي على النظام بسبب المصالح المالية. وتُقدم محفزات مباشرة للتواطؤ الدولي في القمع، وتضع عوائق أمام الحقوق والحريات والديمقراطية، بالإضافة إلى أن رأس المال الدولي لتمويل سيطرة الجيش على الاقتصاد المصري يمنح الجهاز الأمني إحكام قبضته على الدولة (ملف الباحث الإيطالي جوليو ريجيني نموذجا)، علما أن صفقات السلاح المزمع تنفيذها بين إيطاليا ومصر لعام 2020 قيمتها حوالي 11 مليار يورو، فضلا عن الأبعاد السياسية وفي مقدمتها إسرائيل وجودا وحدودا.

ما سبق وغيره يجعل الرهان على غير شعب مصر رهانا خاسرا، والانطباع السائد لدى عموم المهتمين بالشأن العام يعي ذلك رغم قلة المتاح من المعلومات، لكنه الرصيد والتاريخ والتجربة، لذا على المعارضة المصرية والقوى الحية في المجتمع، متمثلة في الأشخاص والأحزاب والجماعات، أن تتعامل وفقا لهذا الواقع الواضح.

على القوى الحية في المجتمع أو بقاياها أن تبذل المتاح لديها من نشر الوعي وتصحيح المفاهيم وتوضيح الرؤى وبث الأمل في نفوس الناس، وأن تواصل وفقا للمستطاع كشف الغطاء عن منظومة الانقلاب العسكري الذي أغرق مصر في وحل الديون وتلال الهموم وبحور الفقر وتفتيت وحدة وتماسك المجتمع. قد يرى البعض ضعف الأدوات المتاحة، لكن معركة الوعي هي معركة الحسم وإن طال الوقت.