أخبار ثقافية

بالذكرى السابعة لوفاته: قراءة لأغنيتين لـ"أحمد نجم" (استمع)

أحمد فؤاد نجم

"مصر يامّا يا سفينة. مهما كان البحر عاتي. فلّاحينك ملّاحينك. يزعَقوا للريح يواتي. اللي عَ الدَّفَّة صنايعي. واللي ع المجداف زَناتي. واللي فوق الصّاري كاشِف. كُلّ ماشي وكُلّ آتي".

بهذه الأبيات القصيرة خَلَّد العَمّ (أحمد فؤاد نجم 1929-2013) صوتَه بين عُشّاق الوطن القديم، وبين المُؤمنين بشَعبِه. الأبيات ضِمن قصيدة (بَهِيّة) المُذَيَّلة في أعماله الكاملة بتاريخِ كتابتِها عامَ 1969، ومكانِها في مُعتقَل القناطر.

 

والحقيقة أنّ العَمّ (نجم) –مثله في ذلك كمثل فؤاد حدّاد وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وغيرهم- هو واحدٌ من شعراء اللسان المصري العربي الذين دفعوا ثمن إيمانهم بأفكارهم في المُعتَقَلات، فقضَوا فيها شطرا من زهرة شبابهم. ويبدو لي أنه مهما اختلفنا مع بعض أفكارِهم أو أخذنا عليهم موقفا سياسيّا معيَّنا أو ظهورا إعلاميّا لا نرضاه، فإنّ أثرَهم الإبداعيّ وتاريخهم النِّضاليَّ يَجِب ألا يحتجبا عن أعيُننا بدُخان تلك الخلافات. 

* مصر يامّا يا بَهِيَّة:

 


في (بهيّة)، اختارَ (نجم) عَروضا مُرَكَّبا، فهو يُراوِح بين مقاطع كتبَها في بَحر الرَّمَل (فاعلاتُن فاعلاتُن) كالمقطع السابق، وأُخرى كتبَها بالمزاوجة بين وزن المُجتَثّ (مُسْتَفْعِلُنْ فاعِلاتُنْ) في الشطر الأوّل ووزن الوافر (مُفاعَلَتُن مُفاعَلَتُن) في الشطر الثاني، كما في المقطع الأول من القصيدة الذي يقول:


"يسبق كلامْنا سلامْنا .. يطوف ع السامِعِن مَعْنا
عصفور محندق يزقزق .. كلام موزون ولُهْ مَعْنَى
عن أرض سَمرا وقَمَرةْ .. وضفّة ونَهر ومراكِبْ
ورفاق مَسيرَة عسيرة .. وصورة حَشد ومواكِبْ
في عيون صبيّة بَهِيَّة .. عليها الكلمة والمعنى".

وهو تصرُّف عَروضي مُوغِل في التركيب، حافظَ عليه إلى آخر القصيدة، ولعلّه بذلك أعطانا مُعادلا إيقاعِيّا لمَدى تركيب الصُّورة العامّة التي تنقلُها إلينا أبياتُه، فهو ينتقل من المبالغة في الرِّقّة "عصفور محندق يزقزق" حين يتحدثُ عن لسان الشاعر، إلى العَرامة والقوّة في الفِعل الجَمعي الوطني حين يقول "فلّاحينك ملّاحينك/ يزعقوا للرّيح يواتي"، كما يزرع المفارقة في جوف الشطر الواحد مستفيدا مِن الجِناس "فلّاحينك ملّاحينك"، فالمصريون المُزارِعون الوادِعُون بحُكم التاريخ والجغرافيا، هم أنفُسُهم رُوّاد الأخطار المستعدُّون للتضحية، المستميتُون في العبور بسفينة الوطن إلى برّ النَّجاة.
     
لكنّنا لا ننسى أنّ هذه القصيدة تحوَّلَت إلى أيقونة للنضال الوطني، إلى درجةِ أن تَبَنّاها كُلٌّ مِن الإعلام الرسمي للدولة المصرية والمعارَضَة المصرية في عهدَي السادات ومبارَك، وإلى درجة أنّ (بَهِيَّة) أصبَح أحد الأسماء المقدَّسَة لمصر في الوعي الجمعي للمصريين، كما أصبَحَ عَلَما جامِعا على المرأة المصرية. هكذا تضافرَت العاطفة الصادقة لمُبدِع القصيدة مع صَنعَتِه الشِّعريّة المُحكَمة، مع لحن وصوت شريكِه (الشيخ إمام عيسى 1918- 1995) في إكساب القصيدة هذه المكانة المتفرِّدة.
  
يقدّم الشيخ إمام للّحن بجُملة لحنية بسيطة في مقام الحِجاز تهيئ جَوّا من الشجَن للقصيدة، ثم ما يلبث أن يُلقِيَ مع (نجم) البيتين الأوَّلَين، يفصل بينهما بجُملةٍ أخرى في المَقام نفسه، ويعقب عليهما أيضا بالحجاز، قبل أن يشتركا معا في الغناء ابتداء من "عن أرض سَمرا" في المَقام نفسه. 
     
يصدح (إمام) بعد ذلك بالمقطع الأشهر "مصر يامّا يا بَهِيَّة/ يا امُّ طرحة وجلّابيّة/ الزمَن شاب وانتي شابّة وهوّ رايح وانتي جايّة". وصوت (إمام) صوتٌ موزونٌ للغاية، يعرف أين يزخرفُ نغماتِه وأينَ يُطلِقُها غُفلا من الزخرُف، وأين يرِقّ كعصفورٍ وأين يصيح في خَطابيّةٍ كشاعر مجنون، وهو يمتاز بدرجةٍ مُحَبَّبَةٍ من الخَنَف Hyponasality فضلا عن حروفِه القرآنيّة المتأثرة بتربيتِه على تلاوة القرآن، وإن كان تقدُّمُه في السِّنّ في الوقت الذي سُجِّلَ فيه هذا المقطع الصوتي وكثيرٌ غيرُه، قد غيَّرَ في بعض مخارج الحُروف لديه.
     
عَودا إلى الأغنية، يتغير اللَّحن في "واحتمالك هوّ هوّ/ وابتسامتك هيّ هيّ/ تضحكي للصبح يصبح/ بعد ليلة ومغربيّة/ تطلع الشمس تلاقيكي" إلى مقام الراست الفَرِح، مواكبا للكلمات المتفائلة بتغيُّر حال البلَد إلى الأفضل، ليعود إلى الحجاز مرّة أخرى في "معجبانيّة وصبيّة يا بهيَّة".
     
في الثانية 2:40 يعزف (إمام) فاصلا قصيرا في مقام الراست الذي يبقى مع كلمات "الليل جزاير جزاير. يمِدّ البحر يفنيها. والفجر شُعلة حتعلا. وعُمر الموج ما يطويها"، ليتحول اللحن بعد ذلك إلى مقام النهاوند في الثانية 3:33، يبقى مع كلمات "والشط باين مَداين. عليها الشمس طوّافة... إلخ"
     
ويتحول اللحن من جديد إلى الراست في "مصر يامّا يا سفينة"، ثم إلى النهاوند من جديد في "اللي ع الدفة صنايعي"، ونكتشف عبقرية هذا التحوُّل المَقامي في البيت القائل "واللي فوق الصاري كاشِف/ كل ماضي وكل آتي"، حيث يواكب (إمام) بالنهاوند الرصين المتأمّل كلمات (نجم) التي تصعد من التشبيه الممتد للمصريين بملّاحي السفينة إلى وضعِهم في مواجهة التاريخ والمستقبَل معا، فهم قادرون على قراءة الماضي واستشراف المستقبَل، كأنّ ظَلامَ الليل لا يعوقُهم، وحُجُبَ الغيب مكشوفة لهم، وهو يغنّي الشطرَين في نغمتَين فقط من طبقةٍ صوتيةٍ عاليةٍ، موحيا بأننا إزاءَ حالةٍ منذرة من الترقُّب الحربيّ والانتباه. ويختم (إمام) المقطع كما في سابقِه بالعودة إلى الحجاز مع "معجبانية وصبيّة يا بهيّة".
     
بعد ذلك، يُلقي الشريكان "ويعود كلامنا بسلامنا..إلى: مِن تاني"، لِيُعَقّب (إمام) بفاصل قصير على العُود في النهاوند، لا يَسَعُ المرءَ في أثناءَ الاستماع إليه إلّا الإعجاب بقدرته وإحساسِه المرهَف بآلتِه، حيثُ نسمعُ تآلُفاتٍ بسيطةً كتلك التي عوَّدَنا إياها (فريد الأطرش)، لكنّها لا تخلو من حمولةٍ شعوريّةٍ ثريّة، ربّما هي أقصى ما يحتملُه العُود من تآلُفات. ويستمر النهاوند مع المقطع الأخير "يرمي الغناوي تقاوي/ تبوس الأرض تتحنّى"، وفي النون المشدَّدة لكلمة "تتحنّى" يذكّرُنا (إمام) بتكوينِه القرآنيّ الأصيل فيَغُنّ غَنّا طويلا من بداية الدقيقة الثامنة إلى الثانية 7:14، هو بالطبع أطولُ بكثير جدّا من مقدار الغُنَّة في تجويد القرآن، ويبدأ رحلتَه مع هذه الغنّة في أربع نغماتٍ ترتكز على أساس المقام، ثم يوسّع الغنّة تدريجيّا حتى يهبط بها سلّم النهاوند من جوابِه إلى قراره في اقتدارٍ بارع. 


لا يلبث (إمام) أن يكرر "يرمي الغناوي تقاوي" مقسّما الجُملةَ إلى أداءٍ حادٍّ في الجواب في "يرمي الغناوي" مناسِب لمعنى الغناء الصادح عاليا، وأداءٍ غليظٍ في القرار "تقاوي" كأنّ الأغاني تقَرُّ في الأرض بالفعل، ثم كررها ثالثا ليغنّ نون "تتحنّى" من جديدٍ غنّا طويلا من الثانية 8:00 إلى 8:10، لكنه ينتقل عبر هذه الغنّة من النهاوند إلى الراست في سلاسةٍ طرَبيّة.

 

ثم يكرر (إمام) "يرمي الغناوي تقاوي" ثالثا مع الثانية 8:30 منتقلا إلى مقام العَجَم، ليغُنّ "تتحنّى" غَنّا جديدا طويلا من الثانية 8:44 إلى 8:54، وهو في كل مرّةٍ يوحي إلينا بذلك اليَنع والإثمار المجازيّ الذي يُحدِثُه الغناءُ في أرض الوطن، كأنّها امرأةٌ تُبالِغُ وتتروّى في تزيين جسدِها بالخِضاب. 

ويكرر (إمام) الجملة رابعا مع الثانية 9:00 في مقام الهُزام المسكون باللوعة، موحيا بأنّ الغناء المُخلِصَ للوطنِ لا يُشترَطُ أن يكونَ فرِحا ليُثمِر، فقد يُثمر وتتخضب الأرضُ فرَحا وهو مُلتاعٌ عليها، فالمعوَّلُ على إخلاصِه. ويكررها خامسا من الثانية 9:24 عائدا بها إلى النهاوند.

 

ومِن ثَمّ يعود إلى الحجاز في "اللي بنى مصر كان في الأصل حلَواني". ليكرر المقطع الشهير "مصر يامّا يا بهيّة" كما جاءَ في أول اللحن. بالطبع لا نفترض أنّ الشيخ (إمام عيسى) كان يحسب في كلّ نقلة مقاميّة أو كل تصرُّف لحنيّ حسابات دقيقة تستشفُّ الأثرَ الشعوريّ عند المتلقّي، لكنّ محضَ إتقانِه وصِدقِ إحساسِه بما ينسابُ في صوتِه وبين أصابعِه من أنغام، كفيلٌ بتحميلِ اللحن بهذه الطّاقة الثريّة من الأفكار والمَشاعِر.  

* عزيزة:

 


أمّا في (عزيزة) أو كما يَرِد اسم القصيدة في ديوان نجم (القوّاد الفصيح)، فقد أخرجَ لنا (نجم) صورة كاريكاتيريّة بالغةَ الطرافة لقِطاع من الوسط الثقافيّ المصريّ، ولا أعرف للأسف ظروفَ قول القصيدة أو الدافعَ وراء إبداعِها، كما لا يروقُني بشكل شخصيّ التأويلُ الذي يُلبِسُ القصيدة ثوبَ الوطنيّة الزاعقة، فيجعلُ من (عزيزة) رمزا لمصر و(محمود الباز) رمزا لأبنائها الذين ينهبون خيراتِها وحدَهم أو ما إلى ذلك.

 

والمهمُّ أنّ (نجم) هنا لا يلجأ إلى الصورة البيانيّة المركَّبَة التي نَجِدُها في (بهيَّة)، ولا إلى عَروضٍ متنوِّع مركَّب كعَروضِها، وإنما يرتكز في بناءِ الأثَر الشعريِّ الكوميديِّ على أصوات الكلمات المتشابهة الراقصة في جِناسِها الناقص، التي قد لا تحملُ معنى واضحا كما في "عزيزة النِّيزة كوَنِّيزَة" و"محمود النُّود" و"العُود النُّود" وإنما تمتاحُ من الاستخدام المصريّ الشعبيّ لهذه الجِناسات في تدليل الأطفال وحتى الكِبار، وقد تحملُ إيحاء خاصّا في سياقِها كما في "الرقص النَّقص يزيح الهَمّ".

 

فرغمَ أننا لا يتطرّق إلينا الشّكّ في أنّ (نجم) يحترمُ مُطلَقَ الرقصِ كفَنٍّ، إلّا أنه في هذا السِّياقِ يُوحِي بضرورة اقتران رقص بطلة القصيدة (عزيزة) بالنَّقص في شخصيتها أو شخصيّة أبيها القَوّاد. وقد بنى (نجم) القصيدةَ بحيثُ يتصاعد الأثر الدراميُّ لها، فالقَوّاد يعرّف ابنتَه (عزيزة) إلى ضيفِهم في البداية "سلّمي يا عزيزة على الأستاذ/ فنان اليوم والمستقبل/ محمود محمود محمود الباز"، ثمّ يحبّذ أن ترقص (عزيزة) أمام محمود ولا تخجل "ارقصي يا عزيزة ما تنكسفيش/ محمود بقى منّا خلاص ولافيش"، ثم يحبذ اقترابَهما "قرّبي يا عزيزة من الأستاذ/ محمود ما بقاش محمود الباز" وصولا إلى أن يترك (عزيزة) جسَدا ملتذّا بين يدَي محمود "محمود النُّود بقى نازل هَمّ/ هلالم هلالم هلالم لم لم/ وعزيزة النيزة تحبّ الهَمّ".
     
أمّا عَروضيّا فقد صاغَ (نجم) القصيدةَ بالكامل في الخَبَب (فَعِلُنْ فَعِلُنْ)، وهو بحرٌ يبدو مناسبا بسرعة إيقاعِه وخِفَّتِه للموضوع السّاخِر هنا.    
     
أمّا الشيخ إمام، فقد أبدَعَ لحنا في إيقاع ثنائي، في مقام النهاوند، يَخرُجُ عنه في جُمل "أنا راجل ثوري ومتحرر وعزيزة بتعزف عَ العُود" حيث يعرّج على مقام البياتي ليعود منه سريعا إلى النهاوند، كما يخرُج إلى مقام العجَم في "أنا رأيي يا سيّد محمود. وبرغم الصمت المقصود. إنك فنان المستقبل ونشيد العصر المنشود"، ليعود إلى النهاوند في "قرّبي يا عزيزة من الأستاذ".
     
وأشبعَ (إمام) أداءَه تأثيرات كوميديّة، فهو حِينا يبثُّ في صوتِه رنينا أنفيّا في كلمة (الباز) وهو يمُدُّ الكلمة في أول ظهورها في الأغنية، أو يُقحِم سؤالا عن هويّة الزائر "مين؟" دون أن يُخِلَّ بالإيقاع، أو يكرر الكلمةَ في انتشاء بالإيقاع، يبدو لامعقولا وهو يقول "على على على على على فكرة يا كابتن محمود"، أو يقفز قفزات ضاحكة وهو يخفض صوتَه بين أساس المقام وغمّازه (الدرجتان الأولى والخامسة للمقام) في الثانية 4:38 حيث يقول: "محمود بقى منّا خلاص ولافيش. قرّبي يا عزيزة ما تتكسفيش"، أو يراوح في حجم صوتِه في تمثيلٍ بارعٍ قربَ النهاية، حيث يرفعُه عاليا في "محمود النود بقى نازل هَمّ"، ويخفضه حين يتحدث عن عزيزة "تحِبّ الهَمّ".

 

كأنه يجسّد شبقَ الزائر الرجُل (محمود) وشبَق البطلَة (عزيزة) المختلف، المَشوبَ بالتمنُّع والخجَل، ثم يخفض صوتَه في "بقى نازل هَمّ" في تنويع على محاولات (محمود) مع جسَد (عزيزة)، ويخفض صوتَه أخيرا في "العُود النود بقى نازل هَمّ"، وهو بالمناسبة تنويعٌ في الكلمات ليس موجودا على الأقل في النسخة التي بين يديّ من أعمال (نجم) الكاملة (دار الأحمدي للنشر – القاهرة – 1998)، لكنّه تنويعٌ مُوح بخفوت تدريجيّ في الخلفيّة الموسيقيّة التي رسمَها الأبُ القَوّاد، أو خفوت تدريجيّ في إضاءة المشهَد ككُلّ كما في مشاهد السينما.
     
كانت هذه قراءة سريعة لقصيدتين فقط من شِعر (نجم)، عالَجَتا موضوعين مختلفَين تمام الاختلاف، وارتكز شاعرُنا في كُلّ منهما على مرتكَزات بلاغيّة وإيقاعيّة جِدِّ مختلفة، وإن كانت مناسبة تماما للموضوعين.  وعالجَ (الشيخ إمام) كُلّا منهما بلَحنٍ لا أتصوّر ما هو أنسبُ منه، وأدّاهما أداء بارعا، لا بحُنجرتِه المضيئة فقط، وإنما بأصابعِه الواثقة واحتضانِه الأبويّ للعُود وكِيانِه كُلِّه. مُجَرّدَ غُرفة مِن بَحر إبداع الشريكَين الخالِدَين (نجم) و (إمام).