كتب

من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية.. قراءة في كتاب 1من3

الميسر كان يتضمن أبعادا دينية عميقة على صلة بالطقوس الوثنية التعبدية عند العرب (عربي21)

الكتاب: من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية، قراءة إناسية في نشأة الدولة الإسلامية الأولى.

الكاتب: محمد الحاج سالم
دار النشر: دار المدار الإسلامي، الطبعة الأولى 2014.
عدد الصفحات: 930.


الميسر: في البحث عن الحقيقة الضائعة

1 ـ الميسر هل نعرف معناه فعلا؟

وردت الإشارة إلى الميسر في سورتين من القرآن. فقد تم تأثيمه في الآية (219) من سورة البقرة "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ". ثم تم منعه لاحقا في الآيتين (90) و(91) من سورة المائدة لقوله تعالى: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ". 

وطبيعي أن يتبنى الفقهاء إلى تحريمه لأن النهي عنه واضح في النص القرآني. ولكن هل نعرف فعلا ما الميسر؟ 

لتبين دلالته السارية بين الناس، يعود محمد الحاج سالم ضمن أثره "من الميسر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية" وهو في الأصل هو أطروحة دكتوراه دولة أنجزها بالجامعة التونسية، إلى مجالين، هما عمل اللغويين وعمل الفقهاء. ورغم أنّ المعاجم لا تسعفه بالمادة الدقيقة للتوسع في تعريفه التعريف الدقيق يخلص عامة إلى أنّها تتجه في فهمه إلى قطبين أولهما اللعب بالقداح  وثانيهما الجزور (لحوم الإبل) التي كانوا يتقامرن بها أو موضوع اللعب هذا. أما المدونة الفقهية فتختزله في الدلالة على اللعب المقترن برهان يحصل عليه الفائز. وتجعل وظيفته مزدوجة. فهو وسيلة من وسائل اللهو والترفيه وتبديد الوقت ووسيلة من وسائل كسب المال السهل. وما عبارة "الميسر" عندهم إلا من يُسرِ تحصيله وسهولته. هكذا تجده مرادفا للقمار.

ولما كان "غُنما بدون غُرمٍ" أي دون جهد، في تقديرهم، تم تحريمه. ثم ما لبثوا أن وسّعوا مجاله، مستندين إلى أحاديث أوردها علماء التجريح في باب الغريب، فحشروا ممارسات بعيدة عن القمار ضمن دائرته. وحكموا عليها بالمنع. فوسعوا من دائرة المحرّم ليشمل كل أنواع اللعب واعتبروه ضربا من ضروب الميسر. من هذه الأحاديث هذا الذي روي عن البيهقي "ما ألهاك عن ذكر الله فهو ميسر" والحقيقة أن ما نسب للرسول ليس سوى من مأثور نُقل عن التابعي قاسم بن محمد. فالمصادر تثبت أنّ عبد الله بن عمر قد قال له "هذه النرد تكرهونها، فما بال الشطرنج؟ فأجاب القاسم "كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر". وعلى خطاهم نزع بعض فقهاء اليوم إلى تحريم اليانصيب والجوائز المرصودة للفائزين في البرامج التلفزيونية ثم أفتوا بتحريم التأمين على الحوادث والممتلكات فاعتبروها من ضروب المقامرة.

2 ـ أسئلة تخلخل المصادرات وتراجع الثوابت

يجدالباحث ضمن الكتب التراثية والأشعار الجاهلية من القرائن ما يجعله يتساءل حول دقة تعريف المعجميين للميسر ويبحث في منطق الفقهاء ويناقش أطروحتهم. فالشعر الجاهلي يحتفي بالمياسرين في سياقات أخرى غير الرهان والقرآن يرى فيه منافع للناس وأي منافع في القمار؟ وعبر عمل توثيقي ضخم ودقيق يدفع باستنتاجاته للأقصى. فوفق فهم الفقهاء للميسر بكونه مقامرة، يفرض المنطق السليم، أن يحشر ضمن أكل المال بالباطل ذلك الفعل المحرم. فقد جاء في الأية (188) من البقرة التي تم فيها تأثيم الميسر "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ". وهذا ما لا يحصل. ومن هنا يجعل من مقاربته قراءة إناسية (أنتروبولوجية) في الحضارة الجاهلية وفي نشأة الدولة الإسلامية الأولى. فيقلب فهمنا لخصائصها ولحضور الديني فيها قلبا يكاد يرتقي إلى مستوى القطيعة الإبيستيمولوجية. 

ضمن هذا الأفق يعود الباحث إلى مختلف المصادر التراثية ويتقمص دور المعجمي التاريخي ليرصد مختلف التحولات التي طرأت على دلالة هذه المفردة. فيجد فيها معنى اليسر. ويقف على دلالات أخرى كثيرة منها معنى اللين والانقياد. أما الياسر فمُرفد الضيوف بالإبل التي يتقامر عليها. وتسعفه هذا المادة، وبحثه الحصيف أيضا، ليعيد بناء اللعبة. فيشرح في تفصيل دقيق لا تسعه ورقتنا أنواعها وقوانين لعبها. فقداح الميسر نوعان قداح المعلمة وقداح الغفل. 

وليتحقق الميسر لابد من أيسار (أو مياسرين) يتولون اللعب وهم رجال بالغون عادة. ولكن يحدث أن يشارك الأطفال والنساء ولابد من حُرضة وهو رجل تدفع إليه القداح ويشترط فيه أن يكون "نذلا من الرجال" ولابد من رقيب يتولى مراقبة اللعب ويعلم المياسرين بمآل القداح. ثم يأتي دور الجزار الذي يتولى نحر الإبل المتراهن عليها لتطهى وتقدم إلى المساكين. ومن لوازمها القداح والربابة، وهي قطعة من الجلد شبيهة بالكنانة  والمجول، وهو رداء شديد البياض يلتحف به والسلفة لتعصب بها اليد اليمنى. ثم يضبط طريقة اللعب وأطوار اللعبة وأجواءها.

ويذكر أنها تجري بشكل دوري في الشتاء، موسم الأمطار. وما ينبهه أكثر إلى أنّ الميسر أكثر من قمار أو "أكل للمال بالباطل" أنه يحرّم على المياسرين الأكل ممّا كانوا يقمرون من أنصباء اللّحم المتراهن عليها. فقد كانوا يوزّعون مرابيحهم على المحتاجين من أبناء القبيلة أو من خارجها (الأعران) وخاصّة الأطفال والنّساء منهم، وأن النّساء كان يحرّم عليهنّ استهلاك لحوم الأنعام المسيّبة للآلهة ويقتصر أكلهن على لحوم الميسِـر.
 
3 ـ الميسر والأزلام والأنصاب والخمر عناصر متجاورة أم مترابطة؟

يتساءل محمد الحاج سالم، وقد أيقن أنّ الميسر منظومة بأسرها تتداخل فيها مستويات عديدة من الحياة الجاهلية، عن سبب جمع الآية 90 من المائدة بين الميسر والأزلام والأنصاب والخمر في التحريم. هل الأمر محض تجاور بين عناصر منفصلة من الحياة الجاهلية أم أنها تترابط فيما بينها وتتفاعل؟ وهل في الجمع بينها دلالة كامنة؟ يلاحظ أنّ القرآن يربط آليا بين الخمر والميسر، في الآيات الثلاثة التي ذكرتهما، وأنه يربطها بممارسات وثنية أخرى كالأنصاب والأزلام. 

وبناءً عليه يقدّر أنّ صلة ما تجمع بين هذه العناصر لترد متزامنة أو متساوية في التحريم وفي الوصف. وهي الفرضية التي سيشتغل عليها وسيعمل من خلال المصادر المختلفة على إثباتها ليفهم دلالة الميسر وصلته بمنظومة القيم الجاهلية. 

وينتهي إلى أنّ الأمر يتعلّق بممارسة عريقة منتشرة في الزمان والمكان. فالأسطورة المؤسسة للميسر تروى أن لقمان بن عاد حكيم العرب كان أضرب الناس بالقداح ومن هنا جاء المثل أيسر من لقمان، ومنها عبارة الميسر. وكان له أيسار يضربون معه فضرب بهم المثل بدورهم فيقال كأيسار لقمان وتغنى بهم شعراء الجاهلية. 

أما الاستقسام بالأزلام فيراد به طلب القسم من الأزلام فقد كان الجاهليون يستخيرون به لتعيين الخير من الشر والصالح من الطالح في عمل ما وهو عبارة عن ثلاثة قداح يكتب على أولها (افعل) ويجدون في فعل الأمر إنباء عن البعد الخيّر أو الصالح من الفعل الذي سيقدمون عليه وفي الثاني (لا تفعل) ويجدون في النهي تحذيرا من مكروه ويترك الثالث فارغا فيعاد الاستقسام. ومن هنا تأكدت حاجة المياسرين له. 
وعبر تتبع الإشارة إليه في القرآن نفسه أو الحديث ينتهي إلى معرفة أهل نينوى ببلاد الرافدين للأزلام.

فضمن قصّه نقرأ في الصافات خبر تساهم النبي يونس وبقية ركاب السفينة بالسهام حول من يلقى به في اليم. فجاء فيها "وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)". ونعلم عبر سورة آل عمران التي تروي قصة كفالة مريم، أنّ العبرانيين يعتمدونه في حياتهم العامة من خلال ضرب الأقلام وهو شكل من أشكال الاستقسام. فتذكر الآية (44) "ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ". وورد في الصحيحين أن النبي لما دخل الكعبة وجد صورة لإبراهيم وإسماعيل يحملان الأزلام فقال "قاتلهم الله فقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا".
 
وتعني الأنصاب "ما نُصب وعُبد من دون الله" أو "شيئا ينصب يذبح عليه المشركون ويتقربون لأصنامهم بالذبائح" ويجد هذا التعريف متوافقا مع تعريف البيضاوي في أثره أنوار التنزيل عند قوله "ما نصب للعبادة من صنم أو حجر غير مصوّر أو غير ذلك من سائر ما ينصب للعبادة". فقد كان يعهد لها تعيين حدود الحرم، مجالِ سلطة الديني. ويحدد صلتها بالميسر على النحو التالي: "يستدعي اللعب نحر الإبل للتقامر عليها. فتنحر عند الأنصاب التي تكون عند حدود مجال القبيلة حيث قبور الأسلاف الأبطال على حدود الحمى. وتمثل إسالة الدماء تقربا من المعبود لحمايتها. فهي أشبه بالتعويذة.  ولنحر الجزور المتراهن عليها عند الأنصاب وظائف عديدة لعلّ  منها إظهار لقدرة القبيلة على الإنفاق أوان القحط وإحياء ذكرى الأبطال من الأسلاف لمزيد الالتحام العصبوي للعشيرة".

وعلاقة الخمر بالميسر عضوية. فقد أطنبت الأشعار الجاهلية في الربط بينهما. ولعل بيتي قيس الجعفري العامري اللتين يشكو فيهما لوم زوجتيه على لهوه دليل جيد في سياقنا هذا:
 
وقد أشعرتني جارتاي ملامة**  على اللهو يوما في القداح وفي الخمر
وعقري لأصحاب الغداة مطيتي** إذا أرملوا زاد بأبيض ذي أثر

ويذهب في فهم علاقة الطقوس بالخمر مذهب التفسير النفسي الاجتماعي أولا. فيقدر أن الخمر يوجد رابطا وجدانيا بين المشاركين ويعطي الانطباع بالسعادة وبتغيير واقع الإنسان الأليم، ومذهب التفسير الديني الأسطوري ثانيا. فالخمر ضمن هذه المرجعية شراب للآلهة أو دمها المسفوح بعد أن تصرع. فيشربه عابدوها لتحل فيهم روحها وقواها. وعامة يضفي الخمر القدسية على الميسر ويحقق الانجذاب الروحي من خلال حفل سكر جماعي تشارك فيه الآلهة التي يُصَب الخمر على تماثيلها وأنصابها. ومن خلال التقاء هذين العنصرين يحاول فهم السبب الذي جعل النبي يقول "من مات وهو مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن". 

إذن، "فمن خلال التخصيصين في إشارة القرآن الصريحة إلى وجود منافع للخمر والميسر، يمكن القول إن تحريمهما لم يكن لذاتهما أو بسبب ارتباطهما بالطقوس الوثنية فحسب، بل لارتباطهما على ما نرى بممارسات اجتماعية منغرسة بقوة في المجتمع الجاهلي كان يتطلبها السير الطبيعي للمجتمع المراد تغييره. ولعلّ إشارة القرآن إلى منافع الخير والميسر هي أشارة إلى هذا الأمر بالدرجة الأولى" ص191. 

4 ـ الميسر طقسا

يخلص محمد الحاج سالم عبر الحفر في المصادر وإعادة تشكيل المشاهد التاريخية إلى أن معنى الميسر قد تم تشويهه وإلى أنه أوسع من القمار أي"أخذ المال بنظير عوض على وجه المغالبة إما بعلم الإنسان وإما بقوة حيوان يمتلكه وإما بطاب أو شطرنج، أو نرد، أو رمي فلوس في حفرة، أو نطاح كباش، أو نقار ديوك أو غير ذلك" كما تحدده المدونة الفقهية. فقد كان يتضمن أبعادا دينية عميقة على صلة بالطقوس الوثنية التعبدية عند العرب. ولم يكن يمثل ظاهرة معزولة (اللعب لربح المال) وإنما هو مؤسسة تترابط فيها العناصر الكثيرة ورؤية جاهلية للوجود ولأدوار الإنسان فيه. وهذا ما يجعله يتساءل حول رهانات هذه المؤسسة في الحياة الجاهلية وأهدافها وما حدث لها عند اصطدامها مع رهانات المجتمع الإسلامي الناشئ وقتها وأهدافه. فنجعلها بدورنا موضوع ورقتنا الثانية من هذه القراءة.