كتاب عربي 21

ما تبقى من الربيع العربي بعد عشر سنوات

1300x600

مع مرور عشر سنوات على انفجار شعلة الثورات الشعبية العربية، يستعجل الكثيرون لدفن إرث هذه المرحلة الهامة من تاريخ المنطقة العربية. يتفق طرفان متناقضان على هذا السلوك، أحدهما هو تلك الأنظمة التي صرفت المليارات وقتلت الآلاف وفي بعض الأحيان مئات الآلاف (كما في سوريا) لأجل وقف هذا المسار الحتمي للتغيير، والآخر ينتمي لمن أيدوا الثورات وعاشوا حلمها، ولكنهم تعجلوا بفقدان "فضيلة" الأمل واعتبروا أن الصراع قد انتهى.

ثمة أسباب موضوعية تدفع البعض لهذا الاتجاه، أهمها الانقلاب في مصر وما جرّه على البلاد من ويلات منذ عام 2013، وتعثر الثورة السورية بعد تحقيق النظام تقدما كبيرا على الأرض بدعم روسيا وإيران، وعدم استقرار الأوضاع في ليبيا واليمن، فيما تبقى تونس النقطة الوحيدة المضيئة - نسبيا - وإن كانت لم تحقق اختراقات جذرية على صعيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

صحيح أن الثورات فشلت في تحقيق هدفها الرئيس وهو تغيير الأنظمة، وضمان العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية وحكم القانون للشعوب العربية، ولكنها نجحت في تحقيق أهداف أخرى لا تقل أهمية عن الهدف الرئيس والمباشر

هذه المآلات غير الناجحة للثورات الشعبية العربية حقيقية ولا يمكن تجاهلها، ولكنها لا تدفع للاستنتاج بدفن إرثها، لأن الظواهر السياسية بشكل عام ظواهر مركبة، ولا تحتمل تفسيرا واحدا، أو استنتاجا في اتجاه واحد. صحيح أن الثورات فشلت في تحقيق هدفها الرئيس وهو تغيير الأنظمة، وضمان العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية وحكم القانون للشعوب العربية، ولكنها نجحت في تحقيق أهداف أخرى لا تقل أهمية عن الهدف الرئيس والمباشر.

اكتشفت الشعوب العربية خلال العقد الماضي قوتها، وأدركت أنها يمكن أن تغير وأن تؤثر، وأنها ليست مجرد هامش على المجال السياسي في المنطقة، بل إنها تستطيع أن تفرض رؤيتها إذا أتيحت الظروف لذلك، وإذا نضجت ثمرة الحراكات السياسية التي لم تتوقف تماما بعد هزيمة الموجة الأولى من الثورات.

لن يغير "انتصار" الثورة المضادة المرحلي وفشل تحقيق الهدف الرئيس من الربيع العربي من حقيقة هذا الاكتشاف، فقد عاشه الناس حقيقة واقعة، ولم يكن مجرد خيالات أو أمنيات. عندما كانت الثورات في أوجها، والشارع لا يزال متمسكا بقوته، كانت الدولة العميقة في الدول التي شهدت ثورات تقدم تنازلاتها مرغمة للشارع. حدث هذا في تونس في المرحلة الانتقالية التي حكمها رجال الدولة العميقة قبل انتخاب المجلس التأسيسي، وحدث في مصر أيضا خلال حكم المجلس العسكري. كانت هذه الفترات تشهد صراعا يشبه لعبة "شد الحبل"، ما أن يضعف فيها الشارع إلا وتحاول الدولة العميقة تسجيل نقاط لصالحها، وما أن يستعيد الشارع عافيته إلا وتتنازل هذه الدولة له وتعطيه جزءا من حقوقه.

ستبقى صورة هذا الصراع حاضرة في أذهان أجيال كثيرة، ومنها جيل الثورة الذي كان موجودا في الشارع قبل عشر سنوات، ولكن أهمها ذلك الجيل الذي لم يكن جزءا من الثورة بسبب صغر عمره، ولا بد أنه سيحتفظ بهذه الصورة إلى حين تحقيق الظروف التي تجعله مؤهلا ليصنع صورته الخاصة وبصمته الخاصة في الصراع بين الأقليات الحاكمة؛ وبين غالبية الشعوب المغلوبة على أمرها.

لم تتغير الظروف التي أدت لاندلاع الثورات الشعبية العربية قبل عشر سنوات، بل ازدادت سوءا، وارتفعت البطالة، وتراجعت الحريات، وتضخم الفساد، وتعزز القمع والاستبداد، وهذه كلها ظروف مهيأة للثورة، وهي ظروف لا ينقصها سوى الشرارة

لم تتغير الظروف التي أدت لاندلاع الثورات الشعبية العربية قبل عشر سنوات، بل ازدادت سوءا، وارتفعت البطالة، وتراجعت الحريات، وتضخم الفساد، وتعزز القمع والاستبداد، وهذه كلها ظروف مهيأة للثورة، وهي ظروف لا ينقصها سوى الشرارة التي لا يعرف أحد متى ستندلع. هي شرارة لن يقررها شخص أو كاتب أو سياسي أو مركز دراسات، لأن حركة الشعوب لا تستطيع مراكز الدراسات والأمن قراءتها، وبقدر ما هي حركة عظيمة بقدر ما هي مفاجئة و"غير متوقعة".

شرارة الموجة الثانية أو الثالثة من الثورات - إذا اعتبرنا ما حصل في الجزائر والعراق والسودان ولبنان برغم الإخفاقات موجة ثانية - ستكون نتيجة للإرث الذي تحقق من الموجة الأولى التي يريد البعض دفنها سريعا، فعندما تنطلق الحقيقة الكامنة لدى غالبية الشعوب بأنها قادرة على التغيير والانتصار كما فعلت سابقا، سيدرك من استعجلوا بدفن "الربيع العربي" كم كانوا مخطئين!

 

twitter.com/ferasabuhelal