كتاب عربي 21

تصحيح ثلاثة مصطلحات

1300x600
تسمع في البيانات والتصريحات الرسمية عبارات من نوع تأييد الحقوق الفلسطينية، أو دعم الحقوق الفلسطينية، أو عدم التخلي عن الحق الفلسطيني.

ولكن ما هي الحقوق الفلسطينية، وما هو الحق الفلسطيني؟ فثمة أجوبة كثيرة متناقضة مضمرة هنا. وتبدأ الأجوبة من "الحقوق الشرعية التي أقرتها قرارات الأمم المتحدة"، وذلك ما أقره قرار التقسيم لعام 1947 (نُسِي هذا تماماً)، وما أقره القرار 242 (إيجاد حل لقضية اللاجئين)، وأخيراً وليس آخراً ما يشمله حل الدولتين (والقدسين): 78 في المئة للكيان الصهيوني و22 في المئة لدولة فلسطينية (منزوعة السلاح).

إذا كان الحق الفلسطيني هو الحق في كل فلسطين، ولا شرعية لحق يدعيه المستوطنون الذين هاجروا إلى فلسطين، لنقل، منذ عام 1917 إلى اليوم، فإن كل الحقوق آنفة الذكر بمثابة الألغام تحت استخدام الحقوق الفلسطينية لنسفها. ولهذا فإن كل من لا يريد أن يضع تحت الحق الفلسطيني أو الحقوق الفلسطينية لغماً، أو ألغاماً، عليه أن يستخدمها مقرونة بعبارة الحق الفلسطيني بكل فلسطين (من النهر إلى البحر، ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش)، أو "الحق الفلسطيني بتحرير كل فلسطين"، وهذا هو التحديد الصحيح للحق، أو للحقوق الفلسطينية.
إذا كان الحق الفلسطيني هو الحق في كل فلسطين، ولا شرعية لحق يدعيه المستوطنون الذين هاجروا إلى فلسطين، لنقل، منذ عام 1917 إلى اليوم، فإن كل الحقوق آنفة الذكر بمثابة الألغام تحت استخدام الحقوق الفلسطينية لنسفها

وينطبق هذا أيضاً على الاستخدام الملغوم لحق العودة؛ لأن استخدامه بعبارة عامة يُراد منها ربطه بقرار 194 الخاص بعودة اللاجئين، وهو قرار يتضمن الاعتراف بالكيان الصهيوني، ويتضمن القبول بالتعويض. وأصبح يتضمن الآن العودة إلى فلسطين الدويلة (22 في المئة)، أي إلى الضفة وقطاع غزة، وليس إلى القرى والمدن والبيوت والأراضي التي هجروا منها عام 1948/1949.

هذا، ويذهب البعض باستخدام عبارة حق العودة بربطها بحقوق الانسان، أو الحق السياسي الذي يمتلكه المواطن في عدم إجباره على مغادرة دولته، فضلاً عن ربطه بالبعد الإنساني لما يعنيه التهجير من ظلم للإنسانية. هنا أيضاً ثمة ألغام توضع تحت حق العودة من ناحية خصوصيته الفلسطينية؛ لأن الأساس في حق العودة الفلسطيني ينبع من الحق في كل فلسطين، واعتبار ما جرى من تهجير عملية اقتلاع وإحلال. وهذا غير حالة حق المهجرين بالعودة لأسباب إنسانية، أو لأسباب تتعلق بانتهاك حقوق المواطنة، أو مخالفة لمبادئ حقوق الإنسان. وكذلك تشكل عبارة حل عادل لقضية اللاجئين لغماً آخر من العيار الثقيل أيضاً.

لهذا فإن الذين لا يريدون أن يضعوا ألغاماً تحت حق العودة بمحتواه الخاص بالقضية الفلسطينية يجب أن يُستخدم كالتالي: حق العودة إلى الديار التي هُجِّر منها الفلسطينيون، والعودة إلى أراضيهم وبيوتهم وقراهم ومدنهم. وهذا الحق لا يسمح للفرد الفلسطيني أن يقبل بتعويض أو توطين ولو في أفضل العواصم في الدنيا؛ لأنه ليس حقاً فردياً وإنما هو حقٌ جماعيٌ لشعبٍ بأسره في فلسطين كلها. وليس له من حلٍّ غير تحرير فلسطين والعودة إلى الديار التي اقتُلِع ثلثا الشعب الفلسطيني منها. بل لا يحق لجيلٍ فلسطينيّ بأكمله أن يفرّط بهذا الحق الذي هو حقُ الأجيال السابقة واللاحقة أيضاً.

ومن الموضوعات التي أصبحت تطلق بعمومية، وتحمل تحتها ألغاماً، كانت موضوعة "المقاومة". ففي البداية كانت تحدد بالمقاومة المسلحة، ثم زرع تحتها أول لغم من خلال المدرسة السوفييتية، في حينه، وذلك بالتركيز على "حق ممارسة كل أشكال المقاومة بما فيها المقاومة المسلحة". وكان الهدف التخفيف من عبارة "المقاومة المسلحة" ومساواتها بالأشكال الأخرى، وصولاً إلى اتفاق أوسلو الذي اعتبر المقاومة المسلحة إرهاباً، واعتبر المفاوضات شكلاً رئيساً من أشكال المقاومة، ومعه كل سياسات سلطة رام الله حتى اعتبر مجرد وجودها "مقاومة"، وجاءت الانتفاضة الثانية لتعيد الاعتبار، عملياً، لا رسمياً، إلى المقاومة المسلحة.

ولكن مع مجيء عهد محمود عباس والانقسام بين سلطة رام الله والمقاومة المسلحة في قطاع غزة، ومع الاتفاق الأمني، أصبحت المقاومة المسلحة في الضفة الغربية محرّمة، ليحل مكانها الحديث عن "مقاومة شعبية" كردٍ على ما جاءت به "صفقة القرن"، وإعلان ضم القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية إليها.
صارت "المقاومة الشعبية" تعني استمرار التنسيق الأمني، ومنع الانتفاضة الشعبية السلمية، وغير السلمية

هنا زرع حتى تحت شعار المقاومة الشعبية لغم أكبر، وهو اللا مقاومة بل مناهضة كل حراك شعبي يمكن أن يصطدم بالاحتلال. وبهذا صارت "المقاومة الشعبية" تعني استمرار التنسيق الأمني، ومنع الانتفاضة الشعبية السلمية، وغير السلمية. ولهذا على كل من لا يريد أن يستخدم شعار المقاومة الشعبية مشوّهاً، أن يفهمها مقاومة شعبية تصطدم بمواقع الاحتلال ودورياته، وتصل إلى العصيان المدني السلمي- الانتفاضة الثالثة.

ومن الطريف ما صرح به الدكتور نبيل شعث بتاريخ 3 كانون الثاني/ يناير 2021 أن "موضوع المقاومة الشعبية يجب أن يخضع لدراسة مدققة". يعني أن قيادة فتح التي أعلنت تبني المقاومة الشعبية منذ زمن لم تدرس بعد دراسة مدققة كيف ستكون المقاومة الشعبية، يعني كانت شعاراً محتواه اللا مقاومة واللا انتفاضة.

وخلاصة، يتوجب على كل من يتحدث عن الحقوق الفلسطينية أن يقول لنا ما هي الحقوق التي يعنيها؟ فإذا أبقاها عامة فاعلموا أن ثمة لغماً تحت ما يقول. وهذا ينطبق ليس على المهرولين الذين يحاولون الاختباء وراء تمسكهم بالحقوق الفلسطينية، وإنما أيضاً على كل من في نيته المساومة على الأصل المبدئي.

وكذلك يتوجب على كل من يتناول حق العودة أن يوضح الأساس الذي يقيم عليه هذا الحق. هل يقيمه على أساس قرار 194؟ أم على أساس إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين؟ أم على أساس حق العودة إلى فلسطين بحدود ما قبل حزيران 1967 (حل الدولتين)؟ أم يعتبره نابعاً من الحق الفلسطيني بكل فلسطين؟ وهو حق جماعي، ولا يجوز لأي فرد أن يختار التخلي عنه أو مقايضته؛ لأن ما من فرد له الحق في أن يتنازل عن الوطن وعن الوجود في الوطن. صحيح أن من حقه أن يغترب، لكن لا يمكنه أن يتنازل عن فلسطين أو عن حق العودة.

وأخيراً وليس آخراً، يجب التوقف عن الكلام على المقاومة عموماً أو المقاومة الشعبية مفرّغة من الصدام مع قوات الاحتلال والمستوطنات والمستوطنين. أما اختيار شكل المقاومة فلم يعد خياراً في المرحلة الراهنة لأنه متجسّد واقعياً في المقاومة التي في قطاع غزة، ومتجه إلى الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني في القدس والضفة الغربية. ولا معنى للمقاومة الشعبية إذا تضمنت التنسيق الأمني، وترفض مواجهة قوات الاحتلال والمستوطنين.