قضايا وآراء

أَبَاطِرَةُ القُوَّة في الغَابَة البَشَريَّة

1300x600

القُوة هي القانون في الغابة البشرية، والشرائع والتشريعات والقوانين أدوات بيدها تشهرها عندما تريد وتُغمِدُها عندما تريد، وتوجهها في الحالين كما تريد.. والقُوة تَحكُم دولاً وشعوباً وأفراداً، وتُنَصِّب حُكَّاماً وتزيحهم عن مناصبها وتحكُم مَن تحكم منهم، وتلاحق من يعاديها ويعاندها ويصل أمر المُلاحقة حدَّ القتل.. 

وهي تفعل ذلك كلّه مباشَرة أو مُداورة، بالأصالة أو بالوكالة، بالتهديد وبالتحريض، وتهيِّئ الرأي العام لما تريد بالأساليب الخشنة والناعمة، ولها في ذلك مناهجها وأساليبها وأجهزتُها ووسائلها وأدواتها التي تجعل الجُموع لا تُقْبِل على ما تريده القُوة فقط بل تتشربه وتتفانى في تنفيذه وتتباهى بأنها الفاعلة القادرة على أن تفرض "إرادتها" وأن تصنع ما تشاء؟! 

في حين أن أباطرة القوة، "ناعمة وخشنة"، هم الذين يصنِّعونها ويصنَعون بها وفيها في معظم الحالات، إذ هناك استثناء من القاعدة، فهُم يُجيِّشون وينظمون ويمولون ويشترون ويبيعون ويحرِّضون ويفعلون من خلال أَجهزتهم وأدواتهم وأتباعهم، ويجعلون كتل الناس تتذبذب وتلوذ بظلال الأقوياء خوفاً وطمعاً وإلا فإن "العَصا لمن عَصى..". 

والإدارات الأمريكية في دولة العَم سام "أفضل أنموذج فاقع لممارسة القُوة"، ومن المسوغات المُضْكِيَة = المضحكة المبكية؛ لذلك النهج ما قالته مادلين أولبرايت ذات يوم للرئيس الأمريكي: "ما فائدة أكبر جيش في العالم إذا لم يُفعّل.. أو يُستخدم؟!".. 

 

في غابتنا البَشرية ليس للعدالة والحق، ولا للشرائع والتشريعات والقوانين هيبة وسلطة إلا عندما تشاء القُوة الحاكمة أو المتحكمة أن تمنحها شيئاً من ذلك، فالقُوة هي التي تُعلي وتُخْفِض وتسمح وتمنع، وتفعل ذلك بإعلان أو من دون إعلان..

 



في هذه الأيام أعلنت إدارة الرئيس جو بايدن على لسان وزير الخارجية أنطوني بلينكن إعلاناً اعترافياً من جهة وتصحيحياً من جهة أخرى قالت إنها: "ستَسعى إلى تغيير المَسارات التي اتُّبعت سابقاً لتغيير الأنظمة في البلدان الأخرى من التدخلات العسكرية المُكلفة إلى إجراء حوارات دبلوماسية، لأن التدخلات الأمريكية السابقة شوَّهت سمعة الديمقراطية وفقدت ثقة الشعب الأمريكي.. إننا سنقوم بالأمور بطريقة مختلفة.. لن نشجّع على الديمقراطية عبر التدخلات العسكرية المُكلِفة أو بمحاولة الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية بالقوة."/عن "فايننشال تايمز" في ٣/٣/٢٠٢١ // 

وعلينا، إضافة إلى التدقيق في عبارة "سنقوم بالأمور بطريقة مختلفة"، علينا ألا نأخذ هذا على أنه مبادئ سياسية أمريكية ثابتة مسلَّم بها، أو أنه طفْرَة أَخلاقية في عالم السياسة، "فالسياسة والساسة يردِّدون على مسامعنا ليل نهار أن الأخلاق لا تحكُم السياسة وأن السياسة لا تأخذ بمبادئ الأخلاق".. وموجب ما يجعلنا لا نأخذ بوعد القوة الأمريكي سياسات ووقائعُ وممارسات عبر تاريخ طويل تستند إلى مُعطيات أمريكية منها:
 
1 ـ أن المؤسسات الحاكمة، والقُوى العميقة ذات التأثير، والجهات ذات المصالح في الولايات المتحدة الأمريكية، والنهج البراغماتي المصلحي، والاستراتيجية الشاملة للأرضي والفضائي، والتحالفات وتنازع الزعامات.. تملي على الإدارة غير ذلك في أي وقت. 

2 ـ أن مدة الالتزام الأمريكي الصارم بسياسات وتعهدات وقرارات واتفاقيات قد لا تدوم أكثر من عُهدة رئاسية وتجديدها.. فقد أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية عملياً أن السياسات والقرارت والاتفاقيات والمعاهدات و.. و.. التي تتخذها أو توقعها ليست التزامات دولة وإنما هي التزامات إدارة.. وكل إدارة أمريكية جديدة قد تنقض ما قررته إدارة أو إدارات سابقة في إطار "مراجعات للسياسات".
 
3 ـ أن الإدارات الأمريكية تقود انقلابات وعمليات عسكرية في الحروب والصراعات الدولية وتنفذ اغتيالات وتصفيات و.. بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالأصالة أو بالوكالة، ومن خلال حلفاء وأتباع وموالين و"مقاولين عسكريين" تصنعهم وتستخدمهم وتفعل من خلالهم "ما تفعل من دون أن تَظْهَر، فتقتل وتمشي في جنازة من تقتُله.. أو تقوم بتنفيذ سياساتها وخططها ومؤامراتها من خلال العقوبات والحصار والتآمر وخلق الأزمات والاستثمار في الإرهاب وغيره.. شأنها في ذلك شأن كثير من الأقوياء في عالمنا "الغابة"، عندما يدَّعون النأي بالنفس عن حدث وجريمة ويرغبون في التظاهر بالبراءة وبوضع صَلَف القوة في الجيب، " تكتيكاً سياسياً مؤقَّتاً"، لغايات وضرورات.

ومن الملاحظ أنه في العُقود الثلاثة الماضية بدأت القُوة في الدول العظمى تشكل "مجموعات مُقاولين عسكريين" تستخدمهم قَتَلَة وتتنكر لتبعيتهم لها، وقد سارت على نهجهم هذا دول وقُوى إقليمية طموحة ففعلت ذلك بأساليب أقل حنكة.. ومجموعات "المقاولين العسكريين" هذه تقوم بعمليات وتخوض صراعات دامية وتظهر في ساحات الحروب وفي المناطق التي تتنازع فيها الدول العظمى على الهيمنة والنفوذ والتسلط والتوسع وتعمل وعلى حماية ما تسميه مصالحها، وهي استراتيجياتها السياسية والعسكرية والأمنية الطموحة.. 

وتعلمت الدول العظمى والقوى الإقليمية ذلك من المُعلم الكبير في تلاقح سياسي يدخل في إطار الفعل ورد الفعل فأنشأت مجموعات واستخدمت مرتزقة.. فـتأسيس أو تشكيل "مجموعة فاغنر" الروسية التي أسسها أو يملكها يفغيني بريغوجين، وتعمل بإمرة الحكومة الروسية منذ ظهورها عام 2014 واستخدامها بتنكُّر وإنكار في أوكرايينا وسوريا وليبيا، جاء بعد عقدين من الزَّمن على تأسيس " بلاك ووتر"  السيِّئة السمعة والذكر التي أسسها ضابط البحرية الأمريكي السابق إريك دين برنس في عام 1997، وأعيدت تسميتها بـ "إكس اي للخدمات عام 2009، وتعرف منذ عام 2011 بـ "أكاديمي"، وهي الشركة التي ارتكبت الفظائع الكبرى والجرائم المَوصوفة في العراق عام ٢٠٠٣ وما بعده، وقامت بـ " مقاولاتها" الإجرامية في بلدان عربية وإفريقية وأسيوية وأمريكية لاتينية واستأجرها بعض الحكام للحماية.. 

وهاتان المجموعتان وأمثالهما من مؤسسات المرتزقة تنفذ أعمالها لصالح دولها التي تنشئها بسرية مدعية "استقلاليتها التامة؟!. وكل مجموعة من مجموعات "المقاولين العسكرين = المرتزقة" تنفيذ عمليات قتالية وأمنية وتشارك في صراعات وحروب في مناطق النزاعات، تحت إمرة صاحب "المُقَاوَلَة" ولصالحه بتغطية مالية لوجودها وأفعالها يتكفل بها المالك الفعلي لها، وغالباً ما يجعل موالين له وأتباعاً طامعين وخائفين ومتواكلين يدفعون تكاليفها بالترغيب والترهيب.. 

وتخدم العمليات موضوع "المُقَاوَلَات" سياسة المالك الآمر أو "المُقاوِل من الباطن" واسترتيجيته، وهو الذي يكلف مَن يفعل الفعل بفعله ويتظاهر بالتنكر للفعل ومن قام به؟! وقد أصبح ذلك الأسلوب ظاهراً للعيان ومتَّبَعاً في مناطق الصراعات والحروب وفي تنفيذ المؤامرت لاسيما في أقطار عربية أبرزها "العراق وسوريا وليبيا واليمن و..". 

وليس من الغريب أو المُستَغرب سكوت الهيئات الدولية المعنية بالسلم والأمن عن ذلك كله، فهي في نهاية المطاف من صنع القوة ومن لا يملك إلا الخضوع لها والعمل وفق منطقها، في تواطؤ للأقوياء وصنائعهم ضد الأبرياء والفقراء والضعفاء والمستضعفين في الأرض. 

في غابتنا البَشرية ليس للعدالة والحق، ولا للشرائع والتشريعات والقوانين هيبة وسلطة إلا عندما تشاء القُوة الحاكمة أو المتحكمة أن تمنحها شيئاً من ذلك، فالقُوة هي التي تُعلي وتُخْفِض وتسمح وتمنع، وتفعل ذلك بإعلان أو من دون إعلان.. وهي التي تعطي للقانون القدرة على إنجاز الفعل، "التنفيذ"، أو تمنع عنه تلك القدرة، وتستخدم ذلك بما لا يُضيرُها ولا يضرُّها.. والتاريخ يفيد بأن هذه هي القاعدة، وقد يحدث الاستثناء لكنه يبقى استثناءً بطبيعة الحال..

 

تبقى سلطة "الديمقراطية" وسلطة "الشعب" اللتين يلهَج الأقوياء والطغاة بهما محكومتين بالقوة وتدخلان في وسائل الأقوياء وأدواتهم وذرائعهم وصراعاتهم لتنفيذ ما يشاؤون، فهم يمنحونهما القوة أو يسلبونهما إيَّاها حسب الحاجات والضرورات والاستخدامات والمصالحهم..

 



في غابتنا البَشرية، "عالمنا"، يجري تداول القُوة وفق قانونها، فأقوياء يذهبون وأقوياء يأتون وتبقى السلطة بيد القُوة.. والأقوياء الحاكمون المتحكمون يفرضون وجودهم وقوانينهم وإرادتهم ومفاهيمَهم وتعاليمَهم ومصالحهم وأمنهم وسلمهم وحربهم وما يشاؤون بالقوة الناعمة أو الخشنة، وتبقى القوة حاكمة ومتحكمة، تراوغ وتداور وتناور وتتملص، أو تقلب الطاولة وتكشر عن أنيابها بوحشية فتراق دماء الفقراء والضعفاء والبيادق من دون أن يسأل الأقوياء.. ولا يزحزح الأقوياء والطغاة ويديل دولتهم ويقيل سلطتهم وتسلطهم أو يزيحهم عن مواقعهم إلا أقوياء وطغاة، وفق تداول " القوة" الذي يُفضي إلى تداول السلطة وإلى التسلط وما ينتج عنه من مظالم ومآسٍ وكوارث.. 

وتبقى سلطة "الديمقراطية" وسلطة "الشعب" اللتين يلهَج الأقوياء والطغاة بهما محكومتين بالقوة وتدخلان في وسائل الأقوياء وأدواتهم وذرائعهم وصراعاتهم لتنفيذ ما يشاؤون، فهم يمنحونهما القوة أو يسلبونهما إيَّاها حسب الحاجات والضرورات والاستخدامات والمصالحهم.. 

ومصداق ذلك ما يجري في أرض الواقع حيث لا تُجرَّد الديمقراطية من القُوة أو تمنحها ويصبح لها أظفار وأنياب إلَّا حسب مشيئة الأقوياء القادرين القاهرين الحاكمين المتحكمين بالسلاح والمال والإعلام والأزلام و.. 

ونماذج ذلك والشواهد عليه كثيرة وتمتد على مساحة الأرض ومدى الزمن.. حيث تُشهرُ الديمقراطية سلطة وتُحَكَّمُ وتُعطى صلاحية وسيفاً وتُرفَع راية للشعب خفاقة عند تصارع الأقوياء الذين يزورون إرادة الشعب في النتيجة ويفتحون سوق بيع الأصوات بالمال السياسي والاحتكاري، ويحولون البشر إلى مجموعات تركض إلى صناديق الاقتراع مدفوعة بأشكال من الدفع الدعائي والإعلامي ـ الإعلاني والاحتياجي، وبالتعصب أو التطرف الغوغائي، بعيداً عن الوعي والإرادة الحرة وفقه الاختيار.. فالقوة الحاكمة المتحكِّمة تبذر المال وتسخِّر الإعلام وتشتري المَعروض منه للبيع في السوق السياسي، وتوجه الرأي العام وتستقطب جماعات وتحولها إلى غوغاء تابعة مستعدة للقيام بأي فعل تشاؤه بما في ذلك نشر الفوضى والقيام بالتدمير والقتل تحت راية الموالاة ـ جماعات دونالد ترامب أنموذجاً ـ والقوة تفعل ذلك بامتلاكها للمال والإعلام والشركات الرأسمالية الكبرى ومن خلال تحكُّمها بأجهزة منها أجهزة أَمن بأنواعه، وبمناخ الفساد والإفساد والإرهاب الذي تستثمر فيه.. 

ومن يملك هذه الوسائل والأدوات ويستخدمها بحنكة يملك القُوة ويصبح المُتحكِّم، أو القادر على التأثير في صنع قرار القوة الحاكمة المتحكِّمة، ويدخل شريكاً و"مُقاولاً من الباطن" في شؤون "الغابة البشرية".. حيث لا قيمة للعدالة والحق والحقيقة، ولا لحقوق البشر وحرياتهم ودمائهم وأرواحهم وحياتهم عند أباطرة القُوة الذين يحكمون عالمنا " الغابة"، ويتطلَّعون إلى ما هو أبعد.. 

وقانا الله وإياكم الشر وأهله.