قضايا وآراء

الأسرى الفلسطينيون الكرام على موائد لئام الساسة والإعلام

1300x600
شهدت الحركة الفلسطينية الأسيرة مؤخرا حالة من الغضب على واقعها المتردي في سجون الاحتلال، بفعل تفشي وباء كورونا بين صفوف الأسرى، كذلك الأمر بفعل الجدل الدائر حول ترشح بعض الأسرى في الانتخابات الفلسطينية المزمع عقدها في أيار/ مايو القادم، حيث أعادت تلك الوقائع تسليط الضوء على قضايا الأسرى والمعتقلين، وطريقة إدارة هذه القضية من قبل الأطراف المعنية.

حسب الإحصائيات الأخيرة لأعداد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية لعام 2021، فقد بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال حتى نهاية شهر آذار/ مارس 2021 نحو (4450) أسيرا، بينهم (37) أسيرة؛ فيما بلغ عدد المعتقلين الأطفال والقاصرين نحو (140) طفلاً، وعدد المعتقلين الإداريين نحو (440) معتقلاً، وبلغ عدد أوامر الاعتقال الإداري الصادرة خلال شهر آذار/ مارس (105) أوامر اعتقال، بينها (28) أمراً جديداً، و(75) تمديداً.

تبرز قضية الأسرى إلى الواجهة من فترة لأخرى، حيث أنها لا تحظى بصدارة دائمة في المشهد الفلسطيني كما ينبغي أن تكون عليه على الدوام. فبين الفترة والأخرى تتصدر قضية الأسرى الأجندات الوطنية والإعلامية حسب الضغوط التي تمارس من الدول المانحة على السلطة الفلسطينية، فقد ثار أكثر من مرة جدل المساعدات المقدمة من الدول المانحة التي اشترطت أن لا يتم تقديم تلك المساعدات كرواتب للأسرى وعائلاتهم. هذا بفعل الضغوط الصهيونية على المجتمع الدولي الذي يمول ميزانية السلطة حتى يحقق أجندات صهيونية على أرض الواقع، عن طريق تعميق أزمات الأسرى وعائلاتهم بقطع مخصصاتهم التي تقدمها لهم السلطة الفلسطينية.

تعرضت الحركة الأسيرة الفلسطينية لمجموعة أزمات وابتزازات سياسية مارستها عليها أطراف مختلفة. ويذكر من تلك الأزمات:

أولاً: سياسة الإهمال الطبي المتعمد: تمارس سلطات الاحتلال على الحركة الأسيرة تجاهلاً مستمراً للحالات الإنسانية بين الأسرى التي تقتضي رعاية طبية خاصة، وقد عانى الكثير من الأسرى من سياسات الإهمال الطبي، ويذكر منهم الأسيرة إسراء الجعابيص التي تعرضت لحروق وبتر في الأصابع بعد أن انفجرت وبحادث عرضي أسطوانة غاز كانت تقلها بسيارتها على بعد 500 متر من حاجز عسكري، فتم تلفيق تهمة الشروع بقتل شرطي إسرائيلي لها، والأسير حسين مسالمة المصاب بسرطان الدم (اللوكيميا)، حيث ماطلت قوات الاحتلال بنقله لتلقي العلاج مما فاقم حالته الصحية وعرضه لمخاطر صحية مضاعفة.

هاتان الحالتان وإن كانتا الأحدث إلا أنهما مثالان صارخان على سياسة الإهمال الطبي المتعمد بين الأسرى، حيث استغلت أيضاً الأحزاب الإسرائيلية في دعايتها الانتخابية في الانتخابات الأخيرة موضوع تفشي وباء كورونا بين الحركة الأسيرة الفلسطينية، بالدعوة لعدم إعطاء الأسرى لقاح كوروبا وتسابقت فيما بينها لإظهار حجم العنصرية الانتقامية والسادية تجاه عذابات الأسرى، بخاصة من يعانون منهم من أمراض مزمنة من كبار السن.

تضاف لحالات الإهمال الطبي المتعمد للأسرى الفلسطينيين حالات سرقة الاعضاء منهم، حيث أثيرت القضية أكثر من مرة ضمن تقارير استقصائية صحفية تضمنت الوقوف على حوادث سرقة الأعضاء الممنهجة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي تجاه الأسرى الفلسطينيين، حيث تكررت هذه الحالات واكتشافها بعد ملاحظة التدهور على الحالة الصحية لبعض الأسرى الذين تعرضوا لهذه الجرائم المنظمة.

لا يتوقف الأمر عند سرقة الأعضاء حين يتعلق الموضوع بجرائم الاحتلال اتجاه الحركة الأسيرة، فالتقارير الاستقصائية أثارت أكثر من مرة اختبار معامل الأدوية الإسرائيلية فاعلية أدويتها على أسرى فلسطينيين، وبشكل مخالف لكل القوانين الطبية والإنسانية.

ثانياً: أزمة التحقيق والتعذيب والعزل الانفرادي: وصل إلينا عبر أدب السجون لأسرى فلسطينيين وعبر شهاداتهم على ما واجهوه داخل جدارن المعتقلات الإسرائيلية وحسب شهادة الأسرى والتقارير الاستقصائية عن الحركة الأسيرة الفلسطينية؛ شرح مجمل ومفصل عن أساليب التعذيب والتفنن بها تجاه الأسرى الفلسطينيين، خاصة في غرف التحقيق التي تعتمد على إضعاف الأسرى نفسياً ومعنوياً. وربما يكاد لا ينسى منا أحد الطفل الفلسطيني أحمد مناصرة الذي تم نشر فيديو للتحقيق الوحشي الذي تم إجراؤه معه وهو يردد تحت أصناف الضغط عبارة "مش متذكر". فالسلطات الإسرائيلية في السجون التي تعتقل الأطفال لا تميز في أساليبها التعذيبية بين أطفال ونساء ورجال.

يتم تعريض الأسرى لأشكال مختلفة من التعذيب النفسي والجسدي بهدف الحصول على اعترافات أو التصريح بأفعال لم يقترفها الأسرى، أو بهدف الحصول على معلومات عن أنشطة مقاومة للاحتلال. ويعتمد الاحتلال العزل الانفرادي لإضعاف الأسرى وتعريضهم لجولات ضغط متتالية.

يدخل الأسرى بأجساد متعافية، وتتم ممارسة حالة من الإضعاف الجسدي لهم عن طريق التعذيب في غرف التحقيق والضرب الذي يسبب لهم ضررا وأعطابا صحية في أجسادهم، بعدها تبدأ سياسة الإهمال المتعمد حتى تصل بالأسير لأقاصي المعاناة الصحية.

ومن الأسرى من يعمد للإضرابات الطويلة عن الطعام في مواجهة تلك السياسات وللاعتراض على الاعتقالات الإدارية بين صفوف الأسرى؛ الذين غالباً لا تكون هنالك تهم واضحة موجهة لهم. وقد قادت الحركة الأسيرة إضرابات عن الطعام بشكل جماعي وفردي، ومنهم من تجاوز حاجز ١٠٠ يوم على الإضراب عن الطعام. يذكر منهم محمد القيق، كذلك يذكر عبر تاريخ إضرابات طعام الحركة الأسيرة للحصول على حقوقها كوسيلة ضغط أخيرة.

وفُقد شهداء ضمن تلك الحركة بسبب عدم تجاوب سلطات السجون لمطالب الأسرى المضربين عن الطعام. ومنهم الشهيد عبد القادر أبو الفحم الذي استشهد بتاريخ 11 تموز/ يوليو 1970، خلال إضراب سجن عسقلان، وهو بذلك أول شهداء الحركة الأسيرة خلال الإضراب عن الطعام، والشهيدان راسم حلاوة وعلي الجعفري حيث استشهدا بتاريخ 24 تموز/ يوليو 1980 خلال إضراب سجن نفحة، والشهيد محمود فريتخ الذي استشهد على إثر إضراب سجن جنيد عام 1984، والشهيد حسين نمر عبيدات الذي استشهد بتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1992 في إضراب سجن عسقلان.

ثالثاً: أزمة حرمان الحركة الأسيرة من حقوقها في نيل التعليم بالذات بالنسبة للأطفال بين صفوف تلك الحركة الأسيرة، كذلك عدم قدرة الأسرى على إكمال تعليمهم. فقد أصدرت السلطات الإسرائيلية في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠١١ قرارا يقضي بإيقاف تعلم ٢٢٠ أسيرا كانوا قد درسوا بالمراسلة في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية، وكانت قد حظرت عليهم تعلم العلوم الاجتماعية والسياسية في ما بررته بأسباب أمنية.

رابعا: أزمة عزل الأسرى عن محيطهم الاجتماعي الخارجي: تعمد السلطات الإسرائيلية إلى تشديد وتعقيد الإجراءات المتعلقة بزيارات أهالي الأسرى لهم، وتصل تلك التعقيدات حد منع الزيارات كوسيلة عقابية لهم ولعائلاتهم.

تتراوح الأزمات التي تحاول سلطات الاحتلال فرضها على الحركة الفلسطينية الأسيرة، وتتواطأ في هذا السلوك المتعمد مع المنظمات الدولية التي لا تتصدى لخرقها للقوانين الدولية والإنسانية في حق الأسرى، حيث لا منطقية في توقع العدالة لأسرى فلسطينيين ضمن دولة احتلال قامت على سرقة أراضيهم ومصادرة حقوقهم، وزجت بغالبيتهم في السجون تحت ادعاءات وتهم لفقتها لهم كي تتحاشى استباقياً أي نشاط لهم في مقارعة دولة الاحتلال.

اللافت في الأمر الجدل الذي يدور حول الحركة الأسيرة عند كل إضراب طعام لدى الحركة كي تضغط على إدارة السجون من أجل تحصيل حقوقها، كذلك الأمر عند تحدي الحياة الذي يفرضه الأسرى الفلسطينيون على الاحتلال بتهريبهم النُطف التي نجحت أكثر من مرة في استمرار حياتهم في خارج السجن وحصولهم على أطفال، في تحد للاحتلال وإجراءاته التي تمنعهم حقهم في لقاء أسرهم، وكذلك التقصير من قبل السلطات الفلسطينية في دفع مستحقات ورواتب الأسرى وعائلاتهم. اللافت في الأمر أن هنالك توظيفا واستغلالا للحركة الأسيرة من قبل عدة أطراف تعمق أزماتهم وأزمات عائلاتهم.

واتجهت الأنظار مؤخراً للأسير المحرر منصور الشحاتيت عندما أطلقت قوات الاحتلال سراحه، بعد أن قضى 17 عاما في العزل الانفرادي في المعتقلات الإسرائيلية أنسته أمه وعائلته ولم يستطع التعرف على أحد. فالأسير المحرر اعتقل بتاريخ 11 آذار/ مارس 2004م وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 17 عاما. وحين اعتقاله لم يكن يعاني من أي أمراض، وقد تعرض خلال التحقيق إلى جولات تعذيب قاسية وضرب شديد، الأمر الذي أدى إلى إصابته باضطراب وعدم انتظام دقات القلب، وعوضاً عن تقديم العلاج له قام الاحتلال بعزله لفترة طويلة، مما أدى إلى إصابته بضيق في التنفس، وحالة من فقدان الذاكرة.

تم استغلال قصة الأسير منصور الشحاتيت أسوأ استغلال من قبل قناة العربية التي تمثل الواجهة الإخبارية الإعلامية للتحالف الإسرائيلي مع نظم القمع العربية، حيث أعفت تلك القناة إدارة السجون الإسرائيلية من دورها في حالة الأسير المحرر، وأرجعت وضعه الصحي لخلافات داخلية ضمن الحركة الأسيرة. فبذلك كانت تلك القناة متطوعة إعلامياً من أجل تشويه الحقائق وتبرئة جانب الاحتلال من مسؤولياته أمام عذابات الأسرى، بشكل خارق لكل القواعد الإنسانية والأخلاقية والمهنية.

خلال نفس الجدل قرأنا عبر صفحة الرئيس محمود عباس تصريحا بمكرمة رئاسية للاستجابة لمناشدة عائلة الأسير المحرر من أجل علاجه. وهنا يستوقفنا الأمر طويلاً بسبب الصيغة الرئاسية للتعامل مع قضايا الأسرى في المعتقلات وكذلك المحررين منهم. فالأصل في هذه القضية أن لا تخضع للمناشدات ولا للمزايدات الانتخابية بين الفصائل ولا للمكرمات.

من حق الأسرى الحصول على نظام حماية اجتماعية هم وعائلاتهم؛ بشكل يحرص على التعامل مع الحالات التي تقتضي الرعاية الطبية الملحة، وكذلك ضرورة وضع برامج من أجل إعادة التأهيل النفسي والصحي لهم من جديد ضمن مجتمعهم. فالأسرى الذين يمثلون أهم أقطاب الكفاح الوطني الفلسطيني لا يمكنهم القبول بأن يخضعوا للأعطيات والهبات المتفرقة والمكرمات أو أن يضطروا لمناشدة أصحاب السلطات، فالمطلوب من السلطات الفلسطينية أن تطلع على احتياجات الأسرى بحيث تعفيهم وعائلاتهم من عناء المناشدة.

المطلوب في هذه المرحلة وكل مرحلة أن تتصدر الحركة الفلسطينية الأسيرة المشهد السياسي والثقافي والفكري، والحرص على نشر حركتهم الفكرية والأدبية داخل المعتقلات كي يطلع المهتمون على تجاربهم وأفكارهم التي تمثل خلاصة معاناتهم، وتقديمهم أقاصي ما يستطيعون ضمن الحركة الوطنية والكفاحية الفلسطينية.