ملفات وتقارير

لماذا تعترض مصر على صفقة "بيرقدار" التركية لإثيوبيا؟

نقلت "رويترز" عن مصادر أمنية مصرية أن القاهرة طلبت من أمريكا ودول أوروبية مساعدتها على تجميد الصفقة

أثارت أنباء عقد إثيوبيا صفقة سلاح بينها طائرات عسكرية مسيرة مع تركيا مخاوف وقلق مصر، مما قد تمنحه تلك الطائرات لإديس أبابا من تفوق نوعي وسيطرة على نهر النيل.


المخاوف المصرية نقلتها وكالة "رويترز" السبت، عن مصادر أمنية مصرية بقولها إن القاهرة طلبت من أمريكا وبعض دول أوروبا مساعدتها على تجميد الصفقة التركية لإثيوبيا.

الوكالة، أكدت أن أي شحنات من الطائرات المسيرة إلى إثيوبيا تهدد بإذكاء الخلاف في العلاقات المتوترة بين أنقرة والقاهرة، التي تختلف مع أديس أبابا بشأن سد النهضة الذي تبنيه الأخيرة على النيل الأزرق، ويهدد حصة مصر التاريخية من مياه النيل.

وإثر زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لتركيا في آب/ أغسطس الماضي، ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كشف موقع "أخبار الصناعات الدفاعية" التركي عن صفقات سلاح تركية كبيرة لإثيوبيا بـ51.7 مليون دولار أمريكي.

 

توجه دولي

 

مدير "منتدى شرق المتوسط للدراسات" محمد حامد، أكد أن "القاهرة تتدخل في الأمر ولجأت إلى أمريكا وروسيا للضغط على تركيا لكي لا تمرر هذه الصفقة إلى إثيوبيا، كنوع من الضغط على أنقرة وحرمان أديس أبابا في ذات الوقت من هذا السلاح المتطور".

وأضاف لـ"عربي21"، أنه "ليس للقاهرة مخاوف من أن يمنح هذا السلاح لإثيوبيا تفوقا نوعيا يجعلها تسيطر أكثر على حوض النيل أو حماية سد النهضة"، جازما بأن "الضغوط المصرية هنا تأتي وسط توجه دولي بحرمان إثيوبيا من سلاح طيران يمنحها التفوق في حرب تيغراي".

ويجزم الباحث السياسي المصري، بأن "العلاقات المصرية التركية ما زالت محلك سر، وتركيا لا شك تخشى غضب القاهرة في هذا الأمر".

 

اقرأ أيضا: وكالة: إثيوبيا طلبت شراء طائرات "بيرقدار TB2" التركية

ولفت إلى أن "موقف مصر يتوافق مع توجه المجتمع الدولي للضغط على تركيا لعدم بيع هذا النوع من السلاح لإثيوبيا في ظل انتهاك حقوق الإنسان والجرائم بحق التيغراي منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2020".

وأشار إلى أن "تركيا لديها حاليا خلاف مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ولا تتقبل إغضابها بهذا الأمر، وحتى ولو بيعت الطائرات عبر شركات السلاح التركية فسيكون الأمر مفضوحا ومعروفا، وعندها ستنال غضب القاهرة ودول أخرى ستتهمها بالمساعدة في ارتكاب فظائع ضد تيغراي" على حد وصفه.

 

الخيار العسكري من النظام مستبعد

 
بدوره قال السياسي المصري رضا فهمي، إن "سلوك النظام المصري في العديد من القضايا مربك بامتياز؛ خاصة ما يتعلق بملف السد الإثيوبي، وأي قضايا أخرى تنعكس سلبا أو إيجابا على هذا الملف".

رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان المصري سابقا، يضيف لـ"عربي21": "الخط العام في ما يتعلق بالنظام المصري في مشكلة السد مستبعد منه الخيار العسكري تماما، والكثير من الخبراء يتحدثون على أن وقته انتهى والوقت المناسب لعرقة بناء السد ولى".

وتابع: "وبغض النظر عن دقة هذا الكلام، وبالنظر إلى فرضية أن الخيار العسكري قائم فهو مستبعد من النظام، برغم التوافق الشعبي على أنه لا بديل عن الخيار العسكري لمنع استفحال أزمة المياه ووصول البلاد إلى مرحلة الشح المائي كما صرح رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي قبل يومين".

ورأى فهمي، أن "الموضوع لا يتعدى نوعا من المناكفة السياسية المصرية مع الجانب التركي، ولو كان الخيار العسكري حاضرا على الأجندة المصرية، كنا سنقول بوجود مبرر أو اعتبار لهذا الاعتراض الذي يأتي لمجرد الاعتراض".

وأضاف أن "هناك رغبة تركية للتقارب مع مصر لا تقابلها في الحقيقة رغبة أو إرادة مصرية، وذلك بسبب مسألة المحاور الموجودة في المنطقة، إذ إن النظام المصري ليس حرا ولا يمتلك إرادة تمنحه خيارات بعيدة عن المحاور الموجودة بالمنطقة".

واستطرد بأن "فكرة التقارب الحقيقي أو الاستراتيجي وليس التكتيكي نتيجة للمصالح المشتركة بين مصر وتركيا بملفات ليبيا وحوض شرق المتوسط؛ مرهونة بتجاذبات إقليمية ودولية يصعب على القاهرة أن تنفك عنها، وبالتالي فإن هذا يعد شكلا من أشكال المناكفة".

وتابع بأن "الأتراك ربما أرادوا بهذه الخطوة التي يبدو في ظاهرها أنها تعرقل حظوظ التقارب مع الجانب المصري؛ أن يحدثوا شكلا من أشكال الضغط لإنهاء التصلب المصري في الملف الليبي وزيادة مرونة القاهرة في ملف شرق المتوسط".

وأكد أن "النظام المصري في الجلسات المغلقة يقول كلاما جيدا، لكن على أرض الواقع يُعرقل الجهود في ليبيا وشرق المتوسط، ويعتبر شراكته مع قبرص واليونان علاقة استراتيجية بينما العلاقة مع الأتراك مصلحة وقتية تكتيكية".

 

اقرأ أيضا: أنقرة: مصر أكبر شريك بأفريقيا ولا مشكلة سياسية مع السعودية

وأضاف فهمي، أن "النظام المصري يفكر بأن هناك مصلحة اقتصادية في شرق المتوسط على المدى القريب؛ لكنه يرى أن هناك علاقات استراتيجية مع أوروبا واليونان وقبرص على المدى البعيد، ولذا فهو يعاني من حالة ضبابية في الرؤية وارتباكا في التعامل مع الملفات الخارجية".

"ورقة تفاوضية"

وفي تعليقه يقول الباحث والأكاديمي المصري، الدكتور محمد الزواوي: "حتى الآن لا تزال طبيعة العلاقة بين مصر وتركيا في الشرق الأوسط تنافسية ولم ترق بعد حتى إلى مرحلة التعاون فضلا عن مرحلة التحالف سواء التكتيكي أو الاستراتيجي".

المحاضر بمعهد الشرق الأوسط بجامعة "سكاريا" التركية، يضيف لـ"عربي21": "ومن ثم فإن طلب مصر وقف صفقة الطائرات التركية المسيرة إلى إثيوبيا يصبح بلا معنى، كما أن الضغوط على تركيا من أمريكا أو أوروبا هو الآخر سيكون بلا طائل".

ويتابع: "بالنظر إلى الأهداف الاستراتيجية التركية بأن تصبح منافسا في سوق السلاح، واستقلالية صنع القرار التركي انطلاقا من أهدافها السيادية وأمنها القومي، فإن تركيا التي تطمح في أن تصيغ علاقة إقليمية ذات طبيعة تحالفية مع جيرانها في إطار العالم الإسلامي، يمكن أن تنظر في ذلك الطلب المصري فقط في حال تطورت العلاقات بينهما نحو تحالف إقليمي".

وأكد أنه "يمكن في تلك الحالة أن تغلّب أنقرة تحالفاتها الاستراتيجية على أهدافها المتعلقة بالترويج لصناعة السلاح التركية، لكن حتى الآن لا يوجد ما يجعل تركيا ترفض إغراء بيع طائراتها إلى أسواق جديدة، والتي ستساهم بالضرورة في صعود النفوذ التركي عالميا".

ولكن على الجانب الآخر، يوضح الأكاديمي المصري أنه "بالرغم من أهمية الطائرات المسيرة التركية وحسمها للصراع بين أرمينيا وأذربيجان في صالح الأخيرة؛ إلا أن الصراع المصري الإثيوبي في حال تطوره إلى صراع عسكري فلن تكون هناك على الأغلب مدرعات مصرية على الأرض".

ويضيف: "ومن ثم فإن المسيرات في حال اقتنتها إثيوبيا فإنها ربما تستخدمها ضد مسلحي التيغراي ومدرعاتهم وآلياتهم على الأرض".

ورأى أن "الطائرات التركية ولا شك ستكون ورقة هامة في أي عمليات تفاوض مستقبلية، سواء في ما يتعلق بتشكيل بنية جديدة للتحالفات أو بتعاظم حصتها في سوق السلاح العالمي على المدى القريب".

واعترض رئيس "حزب الوسط" أبو العلا ماضي، على الصفقة موجها اللوم إلى تركيا، معتبرا أن عزم تركيا على بيع طائرات مُسيرة لإثيوبيا، "خطوة خطيرة ومرفوضة، لأن إثيوبيا الآن بتصرفاتها في نهر النيل تُشكل خطرا على الأمن القومي المصري" .