بورتريه

حركة عدم الانحياز تواجه "الموت الإكلينيكي" (بورتريه)

بدأ العالم يستذكر تعبير عدم الانحياز على صوت العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا - عربي21
لم يكن يدور بخلد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والرئيس اليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو، ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، ورئيس إندونيسيا أحمد سوكارنو، ورئيس غانا كوامي نكروما، وهم يضعون أسس حركتهم، أنها ستتحول مع مرور الوقت إلى حركة شبه مشلولة وغائبة عن المشهد الدولي، تماما، كحال جامعة الدول العربية التي تعاني من الخرف السياسي و"الموت الإكلينيكي".

نظر قادة الدول المؤثرة في ذلك الوقت حولهم، فرأوا العالم وقد انشطر إلى معسكرين يتنافسان على اقتسام النفوذ على الكوكب في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويخوضان "حربا باردة" لم تصل في أي مرحلة من مراحلها إلى "حرب ساخنة"، ولم تطلق فيها رصاصة واحدة.

معسكر اشتراكي شرقي برئاسة الاتحاد السوفيتي يسانده "حلف وارسو"، ومعسكر غربي ليبرالي ورأسمالي برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلفه حلف "الناتو"، وبين المعسكر الشرقي والغربي كانت تدور باقي دول العالم التي أطلق عليها "العالم الثالث".

وشهدت تلك السنوات ذروة حركات التحرر في العالم، وبدء احتضار وانهيار الاستعمار الأوروبي الذي استعمر لسنوات طويلة غالبية الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية التي ناضلت شعوبها في سبيل حريتها.

التقى قادة 29 دولة ينتمون إلى الجيل الأول من قيادات ما بعد الحقبة الاستعمارية من قارتي أفريقيا وآسيا عام 1955 في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا؛ بهدف بحث القضايا العالمية في ذلك الوقت وتقييمها، وانتهاج سياسات مشتركة في العلاقات الدولية بعيدا عن الاستقطاب.

وأعلنت في ذلك المؤتمر المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول، كبيرها وصغيرها، وهي المبادئ التي عرفت باسم "مبادئ باندونغ العشرة"، والتي جرى اتخاذها فيما بعد كأهداف ومقاصد رئيسية لسياسة عدم الانحياز. 

وبعد مؤتمر باندونغ بستة أعوام، أعلن عن تأسيس حركة دول عدم الانحياز على أساس جغرافي أكثر اتساعا وشمولا، وذلك في أثناء مؤتمر القمة الأول الذي عقد في العاصمة اليوغسلافية بلغراد عام 1961، وحضره ممثلون عن 25 دولة من بينها 11 دولة عربية هي: الجزائر، اليمن، مصر، العراق، لبنان، المغرب، المملكة العربية السعودية، الصومال، السودان، سوريا، وتونس. 

وكان مؤسسو حركة عدم الانحياز قد فضلوا إعلانها كحركة لا كمنظمة، تفاديا لما تنطوي عليه الأخيرة من آثار بيروقراطية.

وركزت الأهداف الأساسية لدول حركة عدم الانحياز على تأييد حق تقرير المصير، والاستقلال الوطني، والسيادة، ومعارضة الفصل العنصري، وعدم الانتماء للأحلاف العسكرية متعددة الأطراف، وابتعاد دول الحركة عن الصراعات بين الدول الكبرى، والكفاح ضد الاستعمار بكافة أشكاله وصوره، والكفاح ضد الاحتلال والسيطرة الأجنبية، ونزع السلاح، ورفض استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي.

تباين رد فعل الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية من حركة عدم الانحياز، فالاتحاد السوفيتي أرسل استجابة متعاطفة معها، واستطاع أن يستغل الحركة، فتوسعت موسكو في تقديم المساعدات الاقتصادية لتلك الدول بتسهيلات كبيرة، وانضمت إلى دولها في حملتها ضد الأحلاف والتكتلات العسكرية الغربية، وفي إدانتها كأداة استعمارية تحاول الضغط على هذه الشعوب وإكراهها على اعتناق سياسات تضر باستقلالها ولا تخدم مصالحها.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد عبرت منذ البداية عن رد فعل معاد ومشكك لهذه السياسات غير المنحازة، ونبع ذلك العداء من ميلها إلى تقسيم العالم ما بين مؤيد ومعارض لها، بل إنه في وقت من الأوقات وصف وزير الخارجية الأمريكي "جون فوستر دالاس" حركةَ عدم الانحياز بـ"الانتهازية واللاأخلاقية".

ولم تكن دول الحركة غير منحازة بشكل كامل، فقد ساهمت مؤثرات وظروف دولية متغيرة في إحداث تبديل واضح في أهداف الحركة، فكثير من دول الحركة لم تستطع أن تنأى بنفسها عن صراعات القوة الدولية، وبالتالي أصبحت متورطة في اللعبة الدولية التي أرادت أن تتجنبها، بل إن هدف التنمية الذي وضعته دول الحركة قد دفع هذه الدول إلى الاعتماد على مصدر دولي لتمويلها، وهو ما جعل ارتباط المصالح يبدو أوضح من معسكر إلى معسكر. 

وكانت حاجة دول الحركة إلى التسليح الدائم لضمان صمودها في عالم مضطرب قد فرضت عليها الاعتماد على إحدى الكتلتين في تسليحها، خاصة مع صعوبة التحول إلى نظم تسليح مختلفة.

ظلت أهداف حركة عدم الانحياز تتهاوى على أرض الواقع بفعل الصراعات الدولية، وصعوبة توحيد مصالح ما يقرب من 120 دولة أعضاء في الحركة.

كما أن غياب آلية لتنفيذ قرارات 18 مؤتمر قمة عقدتها الحركة حتى عام 2019 أفقدت الحركة قوتها وتأثيرها على الدول الأعضاء وعلى دول المعسكرين الشرقي والغربي.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي، دخل العالم مرحلة جديدة من الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة، وانهارت معه إحدى الركائز التي قامت عليها حركة عدم الانحياز، التي كانت تسعى للنأي بعيدا عن الثنائية القطبية، وتحول العالم إلى صياغة نظام دولي جديد، يقوم على هيمنة القطب الواحد، وتمثله الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى وقع هذا الواقع الجديد، ثار الحديث عن الجدوى من وراء بقاء حركة عدم الانحياز على قيد الحياة السياسية الدولية، حتى وصل الأمر البعض التشكيك في مسمى الحركة، وتساءل: عدم الانحياز لمن؟ وضد من؟ كما عجزت الحركة عن حل المنازعات السياسية للدول الأعضاء بها بعيدا عن تدخل الدول الكبرى.

الآن، ومع مرور 60 عاما على تأسيس حركة عدم الانحياز، تنظر شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى الحركة بوصفها إرثا تاريخيا يرمز إلى عصر نضال الشعوب ضد الاستعمار، وإلى أيام الكفاح والمقاومة الشعبية ضد الهيمنة الأوروبية والغربية.

وبدأ العالم يستذكر تعبير عدم الانحياز على صوت العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، فثمة دول انحازت لموسكو، وأخرى تساند كييف، وكتلة دولية كبرى تفضل الحياد وعدم الانحياز؛ دفاعا عن مصالحها مع طرفي النزاع. 

لكن الإرث الذي تركه جمال عبد الناصر، وجواهر لال نهرو، وجوزيف بروز تيتو، لا يزال يقاوم "الموت الإكلينيكي".