كتب

كيف انتهى الحراك الثوري اليمني إلى نشاط سياسي محدود؟

قرار قيام الحراك الثوري في أيامه الأولى كان في معظمه استجابة عاطفية للأحداث الثورية العربية

الكتاب: "دور الشباب في الحراك الثوري السياسي في اليمن"
المؤلف: عبد الكريم غانم
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022


يقدم عبدالكريم غانم، الباحث اليمني في علم الاجتماع السياسي، في كتابه هذا تحليلا للأسس الاجتماعية التي ارتبطت بتشكل الحركة الاجتماعية في اليمن في سياق ثورات الربيع العربي، ابتداء بتحليل الخلفية التاريخية، ومرورا بالكشف عن أهداف الفاعلين السياسيين ومواقفهم من التغيير، في ظل محدودية التنمية الاجتماعية، ووصولا إلى طبيعة الموارد التي توافرت لدعم الحراك الثوري في اليمن ومدى استفادة هذا الحراك من وسائل التواصل الاجتماعي. ويبدأ دراسته بتحديد المفاهيم الأساسية، مثل: الدور السياسي، والمشاركة السياسية، والحراك الثوري، والفاعلية السياسية. 

ويبحث في النظريات السوسيولوجية التي تناولت الحركات الاجتماعية، تحليلا ونقدا، للكشف عن مدى قدرتها في تفسير الحراك الثوري الذي شهده اليمن، بالتركيز على الدور السياسي للشباب، علما أن دراسته هذه تشمل الفترة الزمنية الممتدة من مطلع 2011 إلى نهاية 2016.

إرث ما قبل الاستقلال

خلال العقدين السابقين على قيام الحراك الثوري شهد اليمن حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ترافقت مع وجود هامش ديمقراطي ارتبط بإعلان قيام الوحدة اليمنية، لكن هذا الهامش الديمقراطي واجهته معوقات بنيوية كثيرة. بحسب الأرقام الرسمية يظهر تدني مستوى القطاع الصحي، وتراجع الإنفاق الاجتماعي، ما ترتب عليه تدني نسب المتعلمين بمستوياتهم التعليمية المختلفة، بما يمثله ذلك من إعاقة لعمليات التحديث والتنمية، وميل إلى المحافظة على البنى التقليدية القبلية والطائفية. أيضا فإن عجز الدولة عن تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق القبلية ظل يدفعها إلى كسب ود شيوخ القبائل بالأموال ويؤدي إلى توسيع دورهم السياسي بما يمكنهم من السيطرة على أفراد قبائلهم وتجنيب الدولة تحمل تبعات التقصير في وظائفها التنموية. 

ومن حيث مستوى الفساد فإن اليمن يعد من أكثر الدول العربية فسادا. وعلى الرغم من تشابه الأنظمة السياسية العربية، فإن تطور الدولة في اليمن كانت له خصوصية أثرت في بنية نظامه السياسي، فإرث ما قبل الاستقلال في اليمن هو الإرث الإمامي الثيوقراطي في الشمال والإرث السلطاني في الجنوب، والمجتمع اليمني في مجمله مجتمع قبلي لم تترسخ في وعيه تجربة عملية لدولة المؤسسات.

 

إن الأوضاع السياسية في اليمن ما عادت مهيأة أمام المشاركة السياسية للشباب، فتحول مسار التغيير إلى العنف ساهم في إلغاء "المجال العام"، وإعاقة المشاركة السياسية السلمية التي انتهجتها الحركة الاجتماعية. مضيفا أن الأنشطة السياسية التي ما زال الشباب يمارسها تكاد تنحصر في التوعية السياسية، لتعميق القيم والاتجاهات الديمقراطية لتهيئة المجتمع لتقبل التغيير.

 



يقول غانم إن الحراك الثوري في مصر وتونس شكل حافزا كبيرا للمعارضة الشبابية في اليمن، وجعلها تشعر أنها غير معزولة عن الحركات الاجتماعية العربية، فقرر الناشطون وكثير منهم ينتمي إلى أحزاب سياسية معارضة المخاطرة بإطلاق الحراك الثوري، فكما أن تكلفة إسقاط نظام حكم تسلطي تبدو عالية، فإن فوائد نجاحه مرتفعة بالقدر ذاته، إلا أن الموجة الأولى للثورات العربية كانت قدمت تخفيضا غير مسبوق في تكلفة إسقاط أنظمة الحكم التسلطية في الجمهوريات العربية. ويلفت  غانم إلى مسألة لعبت دورا كبيرا في تحديد مسار الحراك الثوري اليمني وهي استعداد الجماعات السياسية- معارضة وسلطة- بشكل واضح للارتباط بالخارج والتأثر بالأحداث الخارجية، والاستعداد لتلقي الدعم من الخارج لا سيما في أوقات الأزمات، استعداد جعل اليمنيين يقبلون تدخل الغرباء والأجانب لا للقيام بدور الوسيط فحسب، بل للقيام بدور الوصي أيضا إذا لزم الأمر.

ويشير غانم إلى أن قرار قيام الحراك الثوري في أيامه الأولى كان في معظمه استجابة عاطفية للأحداث الثورية العربية، وتفريغا لمنسوب الغضب المرتفع، وبحثا عن الإثارة في اجتياز مخاطرة تحدي الجهاز الأمني لنظام سياسي متسلط، إلأا أنه ساهم في رفع الفاعلية السياسية للمشاركين، ولا سيما الناشطين، وجعلهم في موقع المنافس المحتمل لنخبة المعارضة السياسية، فصارت الجماعات السياسية بما فيها أحزاب "اللقاء المشترك" بين خيارين: إما تجنب المجازفة بما قد يترتب على ذلك من خسارة للنضالات السابقة، وإما الانضمام إلى الحراك الثوري مع فاعلين سياسيين شعبيين غير محترفين، ولما كان سقوط نظام سياسي عربي يبدو حينذاك قليل التكلفة، رجح "اللقاء المشترك" خيار المشاركة المباشرة.

أزمات النظام وتهميش الشباب 

بحسب نتائج الدراسة التي أجراها غانم فإن أكثر من 62% من المستطلعة آراؤهم يرون أن الأداء المتدني للحكومة في القيام بوظائفها كان في مقدمة أسباب مشاركة الشباب في الحراك الثوري. بينما يشير 53% إلى أن مشاركتهم في الحراك كانت سعيا لإحداث التغيير السياسي، ويرتبط ذلك بتأثير الخطاب الإعلامي للمعارضة السياسية التي تمكنت من كشف تناقضات النظام السياسي وأزماته، وبقدرة الناشطين على تأطير هذه الاختلالات باعتبارها مخاطر بالغة السوء. كما أن 42% يرون أن مشروع توريث منصب الرئيس كان من العوامل الهامة التي دفعتهم للمشاركة في الحراك الثوري، في حين أن 37.3% أكدوا مشاركتهم في الحراك بسبب ممارسة الحكم المستبد. 

كما بينت النتائج أن 44.3% يعتقدون أن تهميش السلطة السياسية لأحزاب المعارضة كان من الأسباب التي عجلت بقيام الحراك الثور. فتدني مستوى المشاركة للمعارضة السياسية في السلطة أدى إلى حدوث أزمات متكررة ومنها: تأجيل الانتخابات النيابية، وتوقف الحوار السياسي بين"اللقاء المشترك" المعارض والقادة السياسيين في السلطة. وأوضحت النتائج أن 40 % وجدوا أن تدني المشاركة السياسية للشباب كانت من العوامل التي عززت القابلية للحراك الثوري، فالترشح لبعض المناصب مثل عضوية البرلمان كان يستوجب بلوغ سن الأربعين، وفقا للقانون. من جهة أخرى فإن 17.7% فقط رأوا أن تطور أساليب الاتصال السياسي الحديثة كانت من أسباب القابلية للحراك الثوري، وهي نسبة ضئيلة تعبر عن محدودية تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في رفع فاعلية المشاركة السياسية للشباب، نظرا إلى محدودية نطاق استخدام الانترنت في اليمن.

الموت في سبيل الحراك الثوري

الدراسة أظهرت كذلك أن 17% فقط يرون أن التطرف الديني كان واحدا من أسباب قيام الحراك الثوري، فالجماعات المتطرفة كانت تشكل تحديا أمنيا وسياسيا مرتبطا بتدني أداء النظام السياسي وعجزه عن القيام بوظائفه الأمنية والعسكرية، وبعض هذه الجماعات كان جزءا من الحراك الثوري ومنها الجماعات السلفية والحركة الحوثية.مع ذلك فقد بينت النتائج أن 50% يعتقدون أن القضية التي نالت قدرا كبيرا من اهتمامهم في الساحات هي بناء دولة مدنية، وكان في مقدمة المطالب الثورية. إلا أن تفسير الجماعات السياسية لهذا المفهوم لم يكن موحدا. 

كما أن 45% من المستطلعة آراؤهم كانوا يقيمون في ساحات الاعتصام مع أشخاص لا تربطهم بهم علاقات قبلية أو جهوية أو حزبية أو مهنية سابقة، أي أنهم كانوا يشكلون نسقا جديدا من العلاقة العابرة للقبائل والأحزاب والأقاليم الجغرافية والأطر المهنية، فالكتلة الاجتماعية الأكبر داخل الحركة كانت تبدو أقرب إلى المدنية والهوية الجماعية. ومن هنا فإن 75 % وافقوا على أن الحراك الثوري اتسم بالحرص على تعزيز الوحدة الوطنية.

يقول غانم إن التكاليف المرتفعة التي تترتب عن تحدي الدولة التسلطية تقع في صميم العلاقة بين القمع والحراك، وإن تقدير تكاليف المشاركة في الحراك الثوري تزداد تعقيدا بسبب وجود خيارات أخرى غير المواجهة المباشرة مثل الفرار والهجرة، أو الخروج من البلد، وهو ما حدث بدءا من عام 2012 وقام به بعض المثقفين والناشطين ورجال الأعمال، وازداد بشكل أكثر وضوحا في أواخر عام 2014، حين فر أعضاء الحكومة والقادة السياسيون والعسكريون المنتمون إلى الأحزاب والجماعات السياسية، ولا سيما من قيادات أحزاب "الإصلاح" و"الناصري" و"الاشتراكي"، وكثير من الإعلاميين، وكانت وجهة معظمهم الرياض والقاهرة واسطنبول. في المقابل بينت الدراسة أن ما نسبته 57.3% من المستطلعة آراؤهم قالوا أنهم كانوا على استعداد للموت من أجل إنجاح الحراك الثوري، ويمكن تفسير هذا الاستعداد بالتأثر بتجربة الشاب محمد البوعزيزي الذي اعتبر نموذجا ملهما للثورات العربية، الذي مات حرقا دفاعا عن كرامته وحقوقه، حيث أبدى أيضا 43% استعدادهم للتعرض للاعتقال من أجل انتصار الحراك. 

يرى غانم أن الحراك الثوري اليمني اتسم بالعفوية منذ انطلاقه، وعدم وجود مطالب عامة جاهزة أو أهداف واضحة. كما اتسم بضعف التنسيق حتى عند إعلان هذه الأهداف، لكنها في المحصلة لم تكن متناقضة أو متعارضة. فالحراك انتهج الأسلوب التوفيقي بين مواقف الجماعات المختلفة، بما فيها الراديكالية والإصلاحية، من خلال تحويل المطالب الثورية الراديكالية إلى رؤى سياسية واقعية قابلة للتحقيق عبر التفاوض، وهو ما أنتج حراكا ثوريا في إطار سياسي تدرج في اتجاهاته من الراديكالية إلى الإصلاحية، فالانقسامات الاجتماعية كانت تبدو أقل وضوحا، وذلك لتداخل العلاقات الحزبية والقبلية، إضافة إلى دور ناشطي الحراك الثوري في تقريب التوجهات الاجتماعية والسياسية، حتى تمكن الحراك من إسقاط رأس النظام. إلا أنه في المراحل اللاحقة صارت الجماعات الاجتماعية والسياسية القبلية والدينية والجهوية أكثر انعزالا وخروجا عن التوجه العام للحراك، فبدأت باستخدام أساليب مختلفة، وانحصر اهتمام بعض هذه الجماعات بمطالب فئوية لم تكن ضمن أولويات الحراك الثوري.

يقول غانم إن الأوضاع السياسية في اليمن ما عادت مهيأة أمام المشاركة السياسية للشباب، فتحول مسار التغيير إلى العنف ساهم في إلغاء "المجال العام"، وإعاقة المشاركة السياسية السلمية التي انتهجتها الحركة الاجتماعية، مضيفا أن الأنشطة السياسية التي ما زال الشباب يمارسها تكاد تنحصر في التوعية السياسية، لتعميق القيم والاتجاهات الديمقراطية لتهيئة المجتمع لتقبل التغيير.