كتاب عربي 21

قاطعوا قطر 2022!

1300x600

في سابقة تاريخية، قرر حكم المباراة التي جمعت منتخبي كولومبيا والمكسيك توقيف اللقاء بشكل مؤقت، حتى يتم طرد عدد من المشجعين المكسيكيين من الملعب، والسبب كان رفعهم شعارات "معادية للمثلية"، اعتبرها المنظمون شعارات "تمييزية"، تستدعي توقيف اللقاء الذي جرت أطواره على ملعب سانتا كلارا بكاليفورنيا.
 
لم تكن الهتافات العنصرية ولا رمي حبات الموز أو تقليد حركات القردة أو غيرها من التعبيرات التمييزية المسيئة يوما سببا في توقيف مباراة. وكان أقصى ما يتم العمل به إصدار بيان للتنديد أو إعلان موقف هنا وهناك، أو إنزال عقوبة في أقصى الحالات. أما أن يتم توقيف المباريات، فهذا شيء لم يسبق لنا أن رأيناه. ولم يكن "التسامح" أو الإقرار بممارسة "الشذوذ الجنسي"، أو "المثلية"، يوما مقياسا للمشاركات الرياضية أو الانسحاب من المنتديات أو توقيف المباريات. لكن الواضح أن الموضوع صار محددا جديدا، يحاول أنصار "المثلية" البناء عليه وجعله واقعا لا يمكن نقده أو مجرد النقاش فيه.

مناسبة استحضار هذه الحادثة الجديدة التي جرت وقائعها يوم الأربعاء الماضي، هو استئناف الهجوم الضاري على دولة قطر وتنظيم كأس العالم بها أسابيع قليلة قبل الانطلاق. الهجوم ليس جديدا؛ فقد بدأ منذ استفاقة المنافسين وداعميهم من "صدمة" نجاح الإمارة الصغيرة في كسب شرف التنظيم قبل أكثر من عقد من الآن. كانت الحملة وقتها متركزة على التشكيك في خلفيات تكليف البلد العربي بالمهمة، ولم يجد أصحابها غير اتهامات استخدام الأموال والرشاوي لاستمالة المصوتين، وعندما انتهت التحقيقات إلى لا شيء في الموضوع، وظهر أن فساد الفيفا أكبر من أن يختصر في "رشاوٍ" مزعومة لم تثبتها أية جهة تحقيق، ولو كانت من دول نافست القطريين على الاستضافة وخذلها المصوتون.

عندها انتقلت الحملة لإثارة حقوق العمال الأجانب التي يتم انتهاكها لأجل بناء الملاعب وتشييدها. الغارديان كتبت ذات يوم أن عدد العمال المتوفين جراء الظروف الصعبة لأعمال التشييد فاق الستة آلاف. هو رقم توقعي لا ينبني على أية إحصائيات موثوقة، لكنه عند "حماة" الحرية وحاملي مشعل "الدفاع عن حقوق الإنسان" رقم لا يرقى الشك إليه، مهما طرحت من أسئلة تسعى للاستبيان. ملاعب قطر بنيت، حسب رأيهم، على مدافن تحوي عظام ورفات العمال، واللعب على أرضياتها رقص على جثث الموتى ومعاناة المصابين والمعطوبين.

وعندما فشل رهان الكثيرين على أن يكون الحصار المفروض على البلد، من طرف "الأشقاء"، الضربة القاضية لطموحات البلد في تجهيز وتشييد بنية تحتية تلائم الحدث الرياضي العالمي، لم يعد بالإمكان إلا تحريك الآلة الدعائية الأضخم بالتشكيك في القدرة على الانفتاح على ما يسمى بالأقليات الجندرية والجنسية، باعتبارها "اللوبي الأضخم" الذي لم يعد بالإمكان تجاهله أو مواجهته دون أضرار. لقد أصبح منطق الاستفزاز السلاح الأهم الذي تبقى للمشككين في قدرة البلد العربي الصغير في الإيفاء بتعهداته، التي يخالف بعضا منها قيمُه الدينية وقوانينه الوطنية. 

لم يعد الموضوع، كما تابعته في الصحافة والإعلام الفرنسيين كنموذج، مرتبطا بـ "رفات العمال" ولا بـ "الرشاوي" أو حقوق "المثليين الأجانب"، بل بضرورة استغلال التظاهرة الرياضية العالمية للتأثير في القوانين الداخلية للبلاد، حتى تستفيد الساكنة المحلية من المنتمين لـ "مجتمع الميم"، من الحقوق بعد انتهاء المونديال. المطلوب إذن هو الضغط على قطر لاختراق منظومتها القانونية ونسيجها المجتمعي. أما كرة القدم وحقوق بنائي ملاعبها المضطهدين، فمجرد قنبلة دخانية وذريعة للضغط وللإلهاء.

في وسائل الإعلام الفرنسية، لا يكاد يخلو برنامج ترفيهي أو سياسي من موضوع الدعوة لمقاطعة كأس العالم بقطر على شكل تقارير أو أسئلة تسعى لإحراج الضيوف، خصوصا مع انخراط عدد قليل من الشخصيات العامة في الحملة؛ كاللاعب السابق إيريك كانتونا أو بعض الممثلين الأقل شهرة، والمسعى دفع لاعبي المنتخب لـ"التمرد" ولاتخاذ مواقف إعلامية للتعويض عن فشل الحملة في الوصول لأهدافها. 

 

أوروبا التي تستثمر خطأ في الدعوة لمقاطعة قطر، لم يتوقف مسؤولوها عن "الحج" إلى الدوحة فرادى وجماعات، لاستجداء الدعم الطاقي من البلاد، في ظل أزمة شديدة مقبلة على التصاعد في مقبل الأيام.

 



وبالرغم من معرفة الجميع أن الوقت صار متأخرا للحديث في الموضوع، فإن النزعة الاستعمارية والاستعلائية التي دأبت فرنسا و"نخبتها" في التعامل بها مع المستعمرات القديمة، التي تشمل كل الدول العربية دون استثناء، تدفع بالطبقة السياسية إلى مسايرة الموجة؛ مخافة أن يتأثر المستقبل السياسي لأصحابه بقوة لوبي "الحريات الفردية"، وتغلغله المتنامي في أوساط الإعلام والفن والثقافة وغيرها. فهذا فرانسوا هولاند، الذي لم يتبق له من دور غير الظهور في البرامج التلفزية للتأكيد أنه لا يزال كائنا موجودا، يزايد بالقول؛ إنه إن كان لا يزال رئيسا لفرنسا، فإنه "لن يذهب إلى قطر". أما أحزاب المعارضة اليسارية التي فشلت في إقناع الناخبين ببرنامجها الانتخابي، فلم تجد غير الموضوع للتداول فيه ورفع الصوت عاليا للتنديد.

يعرف الجميع أن فعل المقاطعة الرياضية لم يُجْدِ يوما في التأثير، باستثناء ما يروى عن مقاطعة نظام الأبارتايد بجنوب أفريقيا. ويعلم الجميع أن كأس العالم تظاهرة رياضية، لكنها في المقابل فرصة استثمارية واقتصادية وعائدات مالية ضخمة، تستفيد منها الفيفا والدول المشاركة والشركات المعلنة والقنوات الناقلة، وهي رهانات اقتصادية لا يمكن القفز عليها إرضاء لدعوات "هامشية" صدرت في الوقت الضائع من المباراة. 

أوروبا التي تستثمر خطأ في الدعوة لمقاطعة قطر، لم يتوقف مسؤولوها عن "الحج" إلى الدوحة فرادى وجماعات، لاستجداء الدعم الطاقي من البلاد، في ظل أزمة شديدة مقبلة على التصاعد في مقبل الأيام. التصريحات العنتريات ورمزيات الأقمصة بشعارات ممسوحة، ودعوات ارتداء رمز قوس قزح من طرف عمداء عدد من المنتخبات أو غيرها، ليست المحدد في عالم اليوم الذي يؤمن بالقوة وبالقدرة على استثمار الإمكانيات المتاحة والاستفادة منها.

الدول التي شاركت في أولمبياد ألمانيا النازية في العام 1936، وشاركت في أولمبياد بيكين وفي مونديال البرازيل أو روسيا، وغيرها من التظاهرات الرياضية العالمية، لا تملك الحق في إعطاء الدروس أو احتكار الحديث عن حقوق الإنسان، هي نفسها التي استقدمت العمالة الأفريقية، عنوة، من المستعمرات لبناء "مجد" أوربا الاقتصادي، الذي تواصل باستغلال ثروات بلدانهم الأصلية التي لم تجن من ذلك غير التفقير والتخلف والتبعية القسرية حتى الآن، وهي الدول نفسها التي تغلق الأبواب على المهاجرين من كل البلدان، بما فيها الآسيوية التي تتباكى على موتاها في أوراش الملاعب، وتدفع أقرانهم للموت غرقا في بحر المانش، أو على حدود وغابات بلدان الصد الأوروبي.

 

لقد أصبح منطق الاستفزاز السلاح الأهم الذي تبقى للمشككين في قدرة البلد العربي الصغير في الإيفاء بتعهداته التي يخالف بعضا منها قيمُه الدينية وقوانينه الوطنية.

 



أما فرنسا التي اتهم فيها النائب داميان ريو، من حزب "الاسترداد"، ناديا رياضيا بتطبيق الشريعة الإسلامية لمجرد تخصيصه فروعا للنساء، فليس لها إلا التفكر في مصير ساكنيها وما سيلحق بها مع اشتداد انخفاض درجات الحرارة، وارتفاع الفاتورة الطاقية السنوية للمستهلكين، لدرجة ستجعل نسبة مهمة من أبنائها يختارون بين المأكل أو التدفئة، وربما تصبح مشاهدة مباريات كأس العالم مصدر السعادة الوحيد لها، أو مطلبا بعيد المنال مع أزمة الطاقة التي تجتاح البلاد. 

حكاية فرنسا مع كأس العالم بقطر تستحق أن تروى؛ فقد اتهم نيكولا ساركوزي بالضغط على ميشال بلاتيني للتصويت والترويج للملف القطري مقابل شراء القطريين نادي باريس سان جيرمان وتحويله لفريق عالمي. الجزء الثاني من الحكاية تحقق على أرض الواقع بعد سنوات عجاف، لم يكن للأندية الفرنسية المحلية حضور على المستويين القاري والعالمي. أما الجزء الأول، فلا يزال يحتاج لبراهين، وإن كان بلاتيني قد حوكم بالفساد الكروي وطُرِد من الفيفا في ملف فساد آخر لا علاقة له بالمونديال القطري.

من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة.