قضايا وآراء

حول "المبادرة الوطنية للإنقاذ" في تونس.. هل يقدرون على شيء؟

إلى أى مدى يستطيع اتحاد الشغل الحشد للمبادرة؟- جيتي
انعقدت صبيحة الجمعة (27 كانون الثاني/ يناير الجاري) جلسة مبادرة الإنقاذ الوطني، بحضور الرباعي المكون من الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين والمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وبمشاركة خبراء متعددي الاختصاصات، تم خلالها تكليف ثلاث لجان بإعداد مقترحات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ تقدم لاحقا إلى الجلسة العامة لمزيد النقاش والإثراء قبل المصادقة النهائية عليها وقبل تقديم المبادرة إلى الرئيس قيس سعيد.

وقد سبق إن أصدرت مجموعة من الشخصيات والجمعيات ما أسمته بـ"بيان 26 جانفي" أعلنت فيه معارضتها لمسار 25 تموز/ يوليو وكذلك لـ"منظومة 24"، معبرة عن مساندتها لمبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية المنظمات، وقد ورد في النقطة الرابعة من البيان: "صياغة أرضية سياسية واقتصادية واجتماعية على القواسم المشتركة، مفتوحة لكل منظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة والتنظيمات الشبابية والحركات الاجتماعية والنسوية والثقافية التقدمية والمناضلة، وكافة القوى السياسية الديمقراطية، وذلك بغاية خلق موازين قوى جديدة لتكريس قيم الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية".

اللوثة الأيديولوجية ما زالت تسكن الكثيرين وتمنعهم من تقديم رؤية تستدعي كل التونسيين لاستنقاذ بلادهم، وترك القضاء يفصل في الجرائم وترك الشعب يفصل مع الفاشلين والمتخاذلين عبر صناديق الاقتراع
لا خلاف بين كل المعنيين بالشأن الوطني حول حاجة البلاد المؤكدة إلى مبادرة جدية للخروج من الأزمة في المدى البعيد والتخفيف منها في المدى القريب، ولكن اللوثة الأيديولوجية ما زالت تسكن الكثيرين وتمنعهم من تقديم رؤية تستدعي كل التونسيين لاستنقاذ بلادهم، وترك القضاء يفصل في الجرائم وترك الشعب يفصل مع الفاشلين والمتخاذلين عبر صناديق الاقتراع.

أطراف المبادرة بزعامة اتحاد الشغل، يعتقد متابعون أنها غير قادرة على تفعيل أي مقاربة ما لم تتفاعل معهم غرفة الانقلاب "إيجابيا"، فالاتحاد مهدد بفقدان وزنه التقليدي بسبب منشور رئاسة الحكومة بخصوص إجراءات الاقتطاع المالي الآلي من أجور الموظفين المنخرطين فيه، وبسبب فتح أبواب الدخول لمنظمات نقابية أخرى كانت محرومة من هذا الاقتطاع رغم الاعتراف القانوني بالتعددية النقابية.

أطراف هذه المبادرة ليست في خدمة سعيد -كما يذهب إليه عدد من المراقبين- وإنما الأرجح أنها تمهد لتدخل "جراحي" لإنقاذ المركوب وتبديل الراكب وتخفيف صداع الأطراف المرافقة لـ"فكرة 25 تموز/ يوليو"، وهي بالأساس أطراف خارجية تدافع عن مصالحها وليس لها قلب يحب ويكره، وهي تستعمل أدوات داخلية متنفذة في الدولة تفعل ولا تظهر للعيان.

ثمة عملية رصد خارجية دائمة لمدى جدية تقارير تشير إلى رغبة قيس سعيد في الانتقال بتونس نحو "محور" هو في صراع مع المحور التقليدي الذي تدور بلادنا في فلكه منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا ما يجعل المشهد التونسي تتداخل فيه أطراف عدة، ليس على أساس سياسي فقط ولا حتى على أساس مصالح، وإنما على أساس محاور، وهو ما يهدد بتحويل تونس إلى مجال لصراعات إقليمية ودولية قد تتجاوز فيها الوسائل التقليدية نحو وسائل أكثر تعقيدا وحدّة؛ تمس من أمن البلاد ومن سيادتها.

المشهد التونسي تتداخل فيه أطراف عدة، ليس على أساس سياسي فقط ولا حتى على أساس مصالح، وإنما على أساس محاور، وهو ما يهدد بتحويل تونس إلى مجال لصراعات إقليمية ودولية قد تتجاوز فيها الوسائل التقليدية نحو وسائل أكثر تعقيدا وحدّة؛ تمس من أمن البلاد ومن سيادتها
والسؤال هو: إلى أي حد يستطيع أطراف المبادرة الإسهام في حل الأزمة السياسية بتونس؟

ما عدا اتحاد الشغل القادر حتى الآن على التعبئة، فإن بقية الأطراف لا وزن لها على الأرض وحضورها فقط في البيانات المسكونة غالبا بالأهواء والمصالح، حتى جسم المحاماة لم يعد متماسكا وقويا كما كان قبل وأثناء احتجاجات كانون الأول/ ديسمبر 2010، حيث كان المحامون هم طليعة النخبة المتصدية لسلطة ابن علي، وكان خروجهم للشوارع دافعا معنويا قويا لعموم المواطنين للانخراط في التحركات الاحتجاجية التي انتهت بإجبار ابن علي على مغادرة السلطة وترك البلاد.

الشخصيات الوطنية المقترحة في "لجان الإصلاح" السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أغلبها يعاني تشوهات نفسية وذهنية بسبب الحقد الأيديولوجي والمواقف الغرائزية، رغم ادعاء الحداثة والتقدمية والمدنية، ورغم محاولات احتكار صفة "الوطنية" و"الديمقراطية، إذ مازال الكثير من هؤلاء يعلنون كراهيتهم لـ"الإسلام السياسي"، وفيهم من له عقدة حقيقية مع هوية البلاد وانتمائها الحضاري، وهم من يسمون في تونس بـ"النخبة الفرنكفونية"، وهم أساسا المهيمنون على المشهد الثقافي منذ نشأة دولة الاستقلال.

محاولة لترميم مسار استطاعت المقاومة الديمقراطية تهرئته بسلسلة من التظاهرات الاحتجاجية السلمية في انتظار "انفجار" اجتماعي تلقائي لن يكون مقدورا عليه أو التحكم في مساراته، وهي فرضية تزعج الدوائر الداعمة لـ"فكرة 25 تموز/ يوليو 2021"، فهي تخشى انفلات خيوط "اللعبة" من بين يديها
يبدو أن تلك "المبادرة" ليست إلا عملية بسط "الفراش" توقيا من آثار "سقوط" محتمل، أو هي محاولة لترميم مسار استطاعت المقاومة الديمقراطية تهرئته بسلسلة من التظاهرات الاحتجاجية السلمية في انتظار "انفجار" اجتماعي تلقائي لن يكون مقدورا عليه أو التحكم في مساراته، وهي فرضية تزعج الدوائر الداعمة لـ"فكرة 25 تموز/ يوليو 2021"، فهي تخشى انفلات خيوط "اللعبة" من بين يديها لتقع في أيدي معارضة تتوعد بأن الديمقراطية إذا انتصرت هذه المرة فستستنبت أنيابها التي اقتلعتها تلقائيا لتمكين الجميع من تناول "العصائد" في مواسم "التوافقات".

مشكلة القوى المعارضة للانقلاب أنها تعتمد التحليلات والإنشائيات فقط، وهو أسلوب بقدر ما يسهم في توسيع دائرة الوعي ويجتذب مزيدا من المنتصرين للديمقراطية؛ بقدر ما يطمئن غرفة الانقلاب ومحركيها لكون السياسة الباطشة عادة لا تخشى "الشعارات" مهما كانت حدتها، في حين تعتمد غرفة الانقلاب على الملفات والمعلومة والأدوات، وتتقدم ميدانيا في تنزيل "مشروعها" وفي ملاحقة معارضيها عبر القضاء ومن خلال بعض وسائل الإعلام التي لا تلتزم الحياد بل تهاجم وتشوه رموز المعارضة وخاصة الرموز الإسلامية.

twitter.com/bahriarfaoui1