صحافة دولية

هكذا استغل حفتر وأبناؤه كارثة درنة.. التقاط صور وقمع للمحتجين

إيكونوميست: بالنسبة للبلطجية فأي مظهر من مظاهر الكياسة والتعاطف هو كفاح- الجيش الوطني الليبي
الصورة الأخرى لكارثة درنة القاسية، كانت للجنرال الليبي خليفة حفتر وأبنائه الذي حرصوا على التقاط الصور وهم يتابعون جهود الإغاثة والإنقاذ. لكن الاحتجاج الذي نظمه مئات من أهالي درنة على سوء الأوضاع كانت كفيلة بعودة أسلوب القمع الذي اعتادت عليه العائلة لتوطيد حكمها في الشرق الليبي.

صحيفة "نيويورك تايمز" قالت في تقرير لمديرة مكتبها في القاهرة، فيفيان يي، إن السلطات في شرق ليبيا الذي دمرته الفيضانات بدأت تتحرك على ما يبدو لتكميم أفواه المعارضة خلال الأسبوع الماضي، حيث اعتقلت المتظاهرين والناشطين الذين طالبوا بالمحاسبة على ما يقولون إنه استجابة رسمية فاشلة على الكارثة.

وتم اعتقال ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص انتقدوا علنا رد فعل الحكومة أو شاركوا في احتجاج في درنة، الاثنين، بحسب شهود وأحد أقاربهم. ويقول عمال الإغاثة والصحفيون أيضا إن الإدارة الاستبدادية التي تسيطر على النصف الشرقي من ليبيا المقسمة، والتي تشمل درنة، قيدت الوصول إلى المدينة بالنسبة للبعض.

وفي يومي الثلاثاء والأربعاء، تم أيضا إغلاق خدمات الإنترنت والهواتف المحمولة في المدينة، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان المشغلون قد قطعوها عمدا.

وقال إسلام عزوز، وهو عامل إغاثة متطوع من درنة حضر الاحتجاج، حيث شارك مئات من الأشخاص الذين طالبوا بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة: "مستوى الغضب بين الناس مرتفع للغاية، وانقطعت الاتصالات لأنهم خائفون من تعبير الناس عن غضبهم علنا".

وأضاف: "لقد فقد الناس منازلهم ومدينتهم. إنهم بالطبع غاضبون من الفساد والإهمال الذي أدى إلى هذه الكارثة".

لكن مسؤولين في شرق ليبيا قالوا إن الأضرار أو التخريب هي المسؤولة عن انقطاع الإنترنت.

وبعد احتجاج يوم الاثنين، قال بعض مراسلي القنوات الناطقة باللغة العربية والتي تشاهد على نطاق واسع في جميع أنحاء الشرق الأوسط إنهم تلقوا أوامر بالخروج من درنة، بينما قال صحفيون آخرون يغطون عمليات الإنقاذ والإغاثة إنهم مُنعوا من التحرك بحرية في جميع أنحاء المدينة أو من العودة إلى الدخول، بمجرد مغادرتهم.

وبدا أن فرق الإنقاذ الأجنبية ومنظمات الإغاثة الأخرى تعمل كالمعتاد. لكن عزوز قال يوم الأربعاء إن بعض المجموعات التطوعية المدنية من غرب ليبيا طُلب منها المغادرة.

وقال محمد الجارح، وهو محلل ومستشار ليبي سابق بدأ العمل يوم الثلاثاء كمتحدث رسمي باسم لجنة الاستجابة للطوارئ التابعة لحكومة شرق بنغازي، يوم الأربعاء، إن السلطات تحاول تبسيط جهود الإغاثة الفوضوية مع انسداد حركة المرور المرتبطة بالمساعدات. وازدحمت الطرق بما تبقى من درنة.

وأضاف أن المسؤولين في الشرق ما زالوا يفتقرون إلى بروتوكولات واضحة للسماح بالدخول إلى درنة، قائلا إنه لا يعرف سبب منع قافلة الأمم المتحدة.

وكثيرا ما تبرر الإدارة الشرقية التي يسيطر عليها الرجل العسكري القوي خليفة حفتر وجيشه، أفعالها بالقول إنها تعمل على استئصال المتطرفين الإسلاميين. هذه المرة مختلفة قليلا.

وقال الجارح إن السلطات الشرقية تشعر بالقلق من أن العناصر المناهضة لحفتر كانت تتسلل إلى جهود المساعدة للتحريض على العنف وتأجيج المظالم المحلية ضد قادة المنطقة، وأن وسائل الإعلام الإسلامية تقوم بتسييس المأساة من خلال بث انتقادات لا أساس لها من الصحة لحفتر.

لكن بالنسبة للسكان الغاضبين بسبب كل ما فقدوه في الفيضانات، فقد بدا أن السلطات في بنغازي كانت تعود إلى نفس الأساليب الأمنية القمعية التي غالبا ما تستخدمها لقمع التهديدات المحتملة لسلطتها.

تجمع المئات من سكان درنة في مسجد بالمدينة مساء الاثنين للاحتجاج على استجابة الحكومة للعاصفة، مطالبين بإجراء تحقيق دولي مع المسؤولين عن صيانة السدود التي انهارت وإقالة رئيس البرلمان الليبي المتمركز في شرق ليبيا والذي يشكل جزءا من إدارة الإقليم.

وقاموا بإحراق منزل رئيس بلدية درنة، وهو ابن شقيق رئيس البرلمان الذي عينته حكومة بنغازي، ووزعوا قائمة بالمطالب. رئيس البرلمان، عقيلة صالح، هو سياسي شرقي قوي آخر ينحاز بشكل عام إلى حفتر.

بعد وقت قصير من المظاهرة، انقطعت جميع الاتصالات في درنة، مما ترك السكان وعمال الإغاثة وغيرهم دون أي وسيلة للاتصال أو إرسال رسائل أو استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول.

وقال اثنان من مديري الاتصالات العاملين في ليبيا، والذين تم إطلاعهم على الوضع، إنه تمت استعادة الإنترنت بعد تشغيل الشبكة مرة أخرى، ولم يتم الإبلاغ عن أي أعطال فنية في أي مكان في الشبكة، ما يعني أنه تم قطعها عمدا.

وقال المسؤول التنفيذي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفا من الانتقام الرسمي، إن ذلك يتناسب مع النمط الذي تتبعه سلطات بنغازي، التي أمرت بقطع الاتصالات في مدينة سرت المضطربة الأخرى ثلاث مرات في الأشهر الأربعة الماضية لأسباب أمنية.

واعتقلت قوات الأمن الداخلي اثنين على الأقل من المتظاهرين خلال المظاهرة، أحدهما أحد المنظمين، بحسب عزوز، الذي كان حاضرا، ومتظاهرين آخرين قالا إنهما شهدا الاعتقالات.

وقال صحفي من درنة، جوهر علي، إن شقيقه، أحد سكان درنة، الذي ظهر على شاشة التلفزيون للمطالبة بمحاسبة المسؤولين وانتقد كيفية إدارة المساعدات، قد اعتقل يوم السبت.

وقال علي إنه تم إطلاق سراح المتظاهرين في وقت لاحق، لكن شقيقه ظل رهن الاحتجاز.

على الرغم من أن المتحدث باسم الحكومة قال: "كان من الواضح جدا أن سكان درنة لديهم مخاوف ومظالم مشروعة"، لكنه قال أيضا إن الفصائل المناهضة لحفتر استخدمت الاحتجاج للتحريض على العنف بما في ذلك حرق منزل رئيس البلدية.

"بلطجية شرق ليبيا"
مجلة "إيكونوميست" سلطت الضوء على استغلال حفتر، الذي وصفته بـ أمير الحرب، وأبنائه للكارثة لمزيد من السيطرة.

وقالت في تقرير لها إن أمير الحرب الليبي خليفة حفتر، سيحاول استخدام الفيضان في ليبيا لتعزيز قوته، خصوصا أن ابنه مسؤول عن لجنة الرد على الكوارث، في وقت سيتم فيه تعليق المحادثات لعقد الانتخابات.

وقالت إن الساسة الذين تعوزهم البراعة يعرفون أن اتباع النص بعد كارثة هي الوسيلة الأفضل، أي التعاطف مع الناجين وتهدئتهم والثناء على عمال الإغاثة والتعهد بإعادة بناء ما خربته الكارثة.

وبالنسبة للبلطجية الذين يسيطرون على شرق ليبيا، فأي مظهر من مظاهر الكياسة والتعاطف هو كفاح. أحدهم يرتدي زيا عسكريا يتجول في مدينة مدمرة من خلف عربة همفي وظهر بمظهر القائد القاهر وليس الحاكم النادم، وآخر ألقى اللوم على الضحايا.



كانت الإستجابة صماء، وهذا ليس مفاجئا، فخليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا لا يهمه سوى تقوية وتعزيز موقع عائلته، و"كارثة كان يمكن منعها هي فرصة له لتوطيد سلطته".

ووصف شهود عيان مشاهد عن يأس شامل في درنة، ففي بداية الشهر أحاط بها إعصار دانيال المتوسطي، وأدى منسوب المياه غير العادي لانهيار سدين في جنوب المدينة، وانسابت مياه الفيضان عبر الوادي والذي يقطع المدينة واجتاحت معها وبدقائق أحياء بكاملها. وتقول منظمة الهلال الأحمر الليبي إن 11,300 شخص ماتوا، وقالت منظمة الصحة العالمية إنها تعرفت على هوية 3,958 جثة إلى جانب 9,000 شخص في عداد المفقودين. ولن تعرف حصيلة القتلى إلا بعد أشهر، هذا لو عرفت. وتم جرف العديد من الجثث للبحر أو دفنت تحت الأنقاض، ولم تقم ليبيا بإجراء إحصاء للسكان منذ 2006.

وبدأت المساعدات الإنسانية بالوصول وإن ببطء. ويدير نظام منافس الجزء الغربي من البلاد. ويجعل الانقسام ليبيا مكانا من الصعب العمل فيه، فالمستشفيات لا تستطيع استيعاب الأعداد ويخشى الناجون من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة تعفن الجثث، مع أن منظمة الصحة العالمية تقول إن مخاوف كهذه مبالغ فيها. وأصبح  الكثير من سكان المدينة بلا مأوى.

وفي 18 أيلول/ سبتمبر اجتمع المحتجون الغاضبون خارج مسجد درنة المعروف، وهتفوا بشعارات ضد رئيس مجلس نواب طبرق، عقيلة صالح، وقام البعض بحرق بيت عمدة درنة الذي علق عن عمله بعد الفيضان، وهو ابن أخ صالح.

 ربما كان أثر الإعصار أخف لو استثمرت ليبيا في إصلاح السدين اللذين بنيا قبل نصف قرن. إلا أن حفتر لا يهتم كثيرا في تحديث وصيانة البنى التحتية الليبية. وتولى ابنه صدام جهود الرد على الكارثة، وهو ما يساعد على تقوية سيطرة العائلة، لكن هذا لا يقدم إلا العون القليل للناجين، وعندما سأله صحفي "سكاي نيوز" عن ما إذا كانت هناك إمكانية لمنع الفيضان، هز كتفيه وقال "كله تمام". وقال نجل آخر لحفتر، صديق، إن سكان المدينة تجاهلوا تحذيرات والده والمغادرة: "والدي، شكرا لقيادته الحكيمة، تنبأ بالأمور قبل أن تضرب الكارثة"، ولا يهم إن أصدر حفتر أوامر كهذه أم لم يصدرها، فهو يظل "المنقذ" أما الضحايا فهم "الأشرار".

وأعلن صديق قبل فترة عن طموح مبالغ به لكي يصبح رئيسا، إلا أن الانتخابات التي كانت تأمل الأمم المتحدة بعقدها نهاية العام ستعلق بسبب الكارثة. وهذا لن يضايق خليفة حفتر الذي يدير شرق ليبيا كنظام عسكري وليس مهتما بانتخابات نزيهة. فقد ألغيت الانتخابات المحلية في درنة هذا الشهر بعد اعتقال رجاله مرشحا قويا.