أفكَار

هل تعكس وثيقة "العدل والإحسان" المغربية تدشينها لمراجعات سياسية علنية؟ (1من2)

الوثيقة السياسية لجماعة العدل والإحسان تؤكد على التمايز بين الجانب الدعوي والجانب السياسي في مشروع الجماعة وتشكل حلقة من حلقات تطور المشروع السياسي كما طورته الدائرة السياسية..
الوثيقة السياسية للعدل والإحسان.. في تفسير السياق

من المثير للانتباه أن الجماعة وهي تعرض وثيقتها السياسية، حرصت على أن تجعل منها حلقة من حلقات التراكم في تطوير مشروعها السياسي، وساقت الوثيقة ضمن مسار من المبادرات والأوراق السياسية التي أصدرتها الجماعة بدءا من "حلف الإخاء" في دجنبر 2006، و"جميعا من أجل الخلاص" في دجنبر 2007.

تحرص الجماعة أن تجعل من هذه الوثائق امتدادا للمضمون السياسي لمذكرة الشيخ عبد السلام ياسين لمن يهمه الأمر (2000)، التي حددت فيها مطلبها للعهد الجديد (حكم الملك محمد السادس)، وتعتبر أن وثيقة ّحلف الإخاء" جاءت لتقدم تقييما للوضع السياسي المغربي، ولتطلق نداء من أجل "تأسيس جبهة واسعة لمواجهة الطغيان والاستبداد ولإيقاف النزيف والخراب المستشري بفعل المفسدين والمبذرين" (النداء)، وأن وثيقة نداء من أجل الخلاص هي استمرار لنفس المضمون، في الدعوة إلى تكوين جبهة سياسية تقطع مع الاستبداد وتدخل المغرب  على المسار الديمقراطي الحقيقي.

لكن في الواقع، ينبغي التشكيك في رواية الامتداد والتراكم، وذلك من جهات عدة، أولها الفوارق الزمنية غير المطردة بين الوثائق الأربع، فما بين مذكرة الشيخ ياسين ووثيقة "حلف الإخاء" ست سنوات، وبين هذه الوثيقة ووثيقة جميعا من أجل الخلاص سنة واحدة، بينما تمتد المسافة الفارقة بين الوثيقة السياسية التي صدرت مؤخرا وبين آخر وثيقة جميعا من أجل الخلاص بحوالي 16 سنة. وإذا كان توالي وثيقة الإخاء والخلاص مفهوما في سياقه السياسي بالصدمة التي تلقتها الجماعة بعد رؤية 2006، وحاجة الجماعة إلى ترميم صورتها والخروج من عزلتها، بعد فشل سياسة الأبواب المفتوحة التي اضطلعت بالوظيفة التواصلية، فإن الفارق الزمني الطويل بين الوثيقة الأخيرة وبقية الوثائق، يطرح علامات استفهام كثيرة، حاولت الجماعة أن تقدم جوابا بشأنها (وجود وثائق داخلية)، لكن دون أن تجيب عن سؤال سبب عدم الإعلان، خاصة وأن من طبيعة الجماعة الوضوح، والخروج للعلن.

مؤكد أن وفاة الشيخ ياسين والخلاف الداخلي حول خط الجماعة التربوي والحركي والسياسي، كان وراء هذا التأخير، وربما لم يسلم ترتيب الإعلان عن الوثيقة من مراعاة هذه الاعتبارات، فالوثيقة تم إنضاجها شهورا قبل إصدارها، وارخت بأكتوبر 2023، ولم تصدر إلا في فبراير 2024.

التفسير الذي نميل إليه أن اللجوء إلى خيار الإعلان عن المبادرات، هو مرتبط أساسا بتدبير أزمات داخل الجماعة أكثر منه رغبة في طرح مبادرة سياسية، فإذا كان قصد وثيقتي "حلف الإخاء" و"جميعا من أجل الخلاص" هو محاولة الخروج من العزلة التي وقعت فيها الجماعة بعد رؤية 2006، وفشل الخيارات التي لجأت إليها للتفاعل مع تداعيات عدم تحقق هذه الرؤية، فإن الوثيقة السياسية، جاءت في سياق الجواب عن أزمتين اثنتين، تخص الأولى، تجديد العرض السياسي بعد فشل الجماعة في توجيه حراك 20 فبراير في اتجاه الحسم التاريخي مع الاستبداد، وتخص الثانية، تقديم  خطاب سياسي موحد يعكس وجهة الجماعة بعد وفاة الشيخ عبد السلام ياسين، فطوال المدة التي فصلت الجماعة عن وفاة الشيخ ياسين، لم يتمكن الداخل التنظيمي للجماعة من توفير شروط إنتاج جواب موحد، بلغة  سياسية موحدة، وهو التحدي الكبير الذي لم تنجح الجماعة طوال أكثر من عقد من الزمن في الجواب عنه.

لكن مع هذا التفسير، ينبغي الإشارة إلى ملاحظة جوهرية تتعلق بالفروق الكبيرة بين وثيقتي حلف الإخاء وجميعا من أجل الخلاص،  والوثيقة السياسية، فالوثيقتان الأولى والثانية، اتجهتا إلى التأسيس لجبهة ديمقراطية تقطع مع الاستبداد، أي أنها أشبه ما تكوت بأرضية وميثاق يجتمع عليه الفضلاء الديمقراطيون، بينما الوثيقة الثالثة، هي أشبه ما تكون ببرنامج سياسي، يتضمن تشخيصا للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل تشخيصا قطاعيا، يسلط الضوء على الإشكالات الجوهرية في كل قطاع على حدة، ويقدم مقترحات وإجراءات برنامجية للمعالجة، وذلك على فاعلة ما  تقوم به الأحزاب السياسية، وهوم ما يطرح سؤال الجدوى بعد أن كانت الجماعة في السابق، ترفض أن تسير في  هذا الاتجاه.

الجماعة.. في الجدوى من البرنامج السياسي

عادة ما يرتبط البرنامج السياسي بالمشاركة السياسية ورغبة الحزب في تقديم عرضه السياسي، وأحيانا يكون التفكير في تقديم برنامج سياسي إحدى المقدمات الأساسية لتحول الفاعل المدني إلى حزب سياسي، لكن في حالة العدل والإحسان، ثمة غموض كبير يكتنف تفسير الجدوى من اللجوء إلى إنتاج وثيقة تحمل المضمون السياسي الذي يحمله البرنامج السياسي.

مرجع هذا الغموض عاملان اثنان، الأول أن العدل والإحسان عادة ما تنفي نيتها تأسيس حزب سياسي، وتشترط لذلك شروطا سياسية ودستورية تلخص هذه الوثيقة كثيرا من حيثياتها، وأما الثاني، فيعود لرفض الجماعة عبر أدبياتها، وبخاصة مرجعيتها التأسيسية (كتابات الشيخ ياسين) فكرة عرض البرنامج السياسي التفصيلي على شاكلة ما تفعل الأحزاب. فالجماعة منذ بدأ الحديث في أدبياتها عن فكرة الميثاق وأرضية الحوار مع الفضلاء الديمقراطيين، وهي تضع نضب عينها العموميات والمبادئ التي يمكن ان تجمع الطيف الديمقراطي المختلف لتنحية الاستبداد وحكم الفرد الواحد، وتعتبر أنه ليس من الصعب أو المستحيل أن يتداعى خبراء الحركة الإسلامية لإنتاج هذه البرامج التفصيلية، ولكنها ترى أن الوقت المتعين لذلك، هو يوم يكون الإسلاميون على عتبة الحكم.

عادة ما يرتبط البرنامج السياسي بالمشاركة السياسية ورغبة الحزب في تقديم عرضه السياسي، وأحيانا يكون التفكير في تقديم برنامج سياسي إحدى المقدمات الأساسية لتحول الفاعل المدني إلى حزب سياسي، لكن في حالة العدل والإحسان، ثمة غموض كبير يكتنف تفسير الجدوى من اللجوء إلى إنتاج وثيقة تحمل المضمون السياسي الذي يحمله البرنامج السياسي.
وثيقة العدل والإحسان، تقول إن قصدها التفاعل مع الواقع بتحدياته وفرصه لبناء المستقبل، وترى أن ما تضمنته من مقترحات وإجراءات عملية وواقعية جاء في سياق تجنيب البلاد من الأخطار المحدقة، وأنها جاءت خيارا وسطا بين الخطاب الاستراتيجي العام وبين العرض التفصيلي التنفيذي.

استقراء الوثيقة يبين أن البعد الإجرائي يوجد بكثافة (777 إجراء)، ويبين في المقابل محدودية التنظير الاستراتيجي، بل محدودية الإحالة على الأبعاد الفكرية والاستراتيجية في مشروع جماعة العدل والإحسان، والاكتفاء بصياغات عامة، تذوب كثيرا من المفردات المركزية التي تعرف بها جماعة العدل والإحسان.

واضح من هذا الاختيار، أن الجماعة تحكمها اعتبارات داخلية صرفة، ولعلها تحاول أن تستبق الجواب عمن يمكن أن يعتبر هذه المحاولة كأنها تمهيد لإنشاء حزب سياسي، أو تستبق الجواب عمن يقول بأن تحولا قد وقع في موقف الجماعة منم رفض "التورط" في إنتاج البرامج السياسية التفصيلية، ولذلك اختارت هذا المنهج الوسط لتكست الانتقادات المفترض خروجا من الداخل، وخاصة من الجهة المحافظة التي تتوجس من أي تغيير أو تحول يطال المرجعية الياسينية في فكر الجماعة ومشروعها السياسي.

ما يفسر ذلك، أن مقدمة الوثيقة ربطت ربطا فغير مفهوم بين السياق الذي تندرج فيه الوثيقة، باعتبارها حلقة ضمن حلقات سابقة، وبين "رص الصف وتوحيد الجهود وبناء القوة المجتمعية" فمن الواضح جدا، أن المقصود بالصف ليس الصف الديمقراطي، أو الجبهة من أجل الخلاص، فهذا الصف لم يبن بعد حتى يتم رصه، والقوة المجتمعية التي تتحدث عنها الوثيقة مشروطا بخروج القوة الداعية للميثاق من عزلتها، وتسوية خلافاتها، وبناء جاهزيتها. ولذلك، أميل إلى تسمية هذه الوثيقة بالبرنامج السياسي لجماعة العدل والإحسان، واميل لتفسير تحفظ الجماعة عل تسميتها بهذا الاسم للدواعي الداخلية، وتجنبا لانتقادات القوة المحافظة داخل الجماعة التي لا تزال متمسكة بمواقف وأطروحات الشيخ ياسين ومنها تأكيده على فريضة الوقت بالنسبة للجماعة هو إعداد أرضية التقاء الفضلاء الديمقراطيين والتواصل بشأنها وتوضيحها لا بناء برنامج سياسي تفصيلي يعرض على الشعب بقصد إقناعه بالعرض السياسي للجماعة.

وإذا كانت طبيعة الوثيقة وهويتها تشبه أو تطابق البرنامج السياسي مع ملاحظات يمكن أن تبدى على الطابع المقتضب للتشخيص وعمومية كثير من الإجراءات المقترحة وتشابهها مع مقترحات بعض الأحزاب اليسارية والإسلامية، فإن السؤال الضروري المطروح هو وماذا بعد البرنامج السياسي؟ وهل تتهيأ الجماعة لتأسيس حزب سياسي؟ أم انها تعيد تكرار نفس تجربة حلف الإخاء 2006 وجميعا من أجل الخلاص 2007، أي تجربة الفشل في بناء الجبهة الديمقراطية الواسعة لمناهضة الاستبداد؟

ليس هناك من جواب نهائي، لكن، مدخل التحليل لا يمر من ملاحظة تطور الوثيقة والجهد المبذول فيها، والمراجعات التي دشنتها الجماعة من خلالها، وإنما يتم من خلال ربط كل ذلك، بحالة الجماعة الداخلية، وحراكها التنظيمي، والعلاقات البينية القائمة بين مناشطها الرئيسة لاسيما منها المنشط الدعوي والسياسي.

أربع مراجعات أساسية

مع الملاحظات الكثيرة على هذه الوثيقة يمكن أن نقر بحصول تطور مهم، نقرأه في ثلاث مستويات:

المستوى الأول، أن لغة الوثيقة، خارج المدخل التمهيدي، هي أقرب إلى لغة التداول السياسي الحديث، فقد بدا واضحا تركيزها على مفهوم الدولة المدنية، ودولة المؤسسات، ودولة المجتمع بدل مجتمع الدولة، وغيرها من الاصطلاحات التي يظهر بشكل كبير تأثير التخصصات العلمية القانونية والدستورية والحقوقية في صياغتها، إذ غابت في الوثيقة رهانات دولة الخلافة، والخلافة على منهاج النبوة، والقومة وغيرها.

وثيقة العدل والإحسان، تقول إن قصدها التفاعل مع الواقع بتحدياته وفرصه لبناء المستقبل، وترى أن ما تضمنته من مقترحات وإجراءات عملية وواقعية جاء في سياق تجنيب البلاد من الأخطار المحدقة، وأنها جاءت خيارا وسطا بين الخطاب الاستراتيجي العام وبين العرض التفصيلي التنفيذي.
المستوى الثاني، تمثل في حرص الوثيقة على التمايز بين الجانب الدعوي والجانب السياسي في مشروع الجماعة، وأن الوثيقة تشكل حلقة من حلقات تطور المشروع السياسي كما طورته الدائرة السياسية، وهي لغة لم تكن معهودة عند الجماعة من قبل، وهو ما يعني، إذا ما تم ضم هذا المستوى لسابقه، بدء المسافة مع المشروع الفكري للشيخ عبد السلام ياسين، وإن كان المدخل يحرص على التأكيد على الانطلاق من هذه المرجعية وبخاصة مرجعية "المنهاج النبوي".

وأما المستوى الثالث، فيمثل في تجاوز اللغة التي كانت تكتب بها وثائق الجماعة، فلم يعد الميثاق المطلوب لجمع الفضلاء الديمقراطيين، يشترط أرضية مرجعية مسبقة، بقدر ما أضحت اللغة السياسية والديمقراطية والحقوقية قاعدة لهذا الاجتماع، ولم تعد الظرفية السياسية شرطا للمبادرة بالنسبة للجماعة، وإنما تجاوزت كل القيود التي كبلت بها نفسها سابقا، لتعرض وثيقتها التي قد يقرأ تأخر عرضها على أنه محاولة للتغطية على الخلاف في التقدير أو الخلاف في الصياغة (الوثيقة تم بلورتها في الأربع سنوات الأخيرة، وأرخت بشهر أكتوبر 2003)، فقد اختارت الجماعة أسوأ ظرفية سياسية، لتعرض وثيقتها، أي الظرفية التي تراجعت فيها مختلف القوى الديمقراطية، بل تراجعت فيها الحركات الإسلامية نفسها فيما أضحى يعرف بخريف الإسلاميين، وهو ما يعكس في الجوهر التناقض بين الواقع (التراجع) والأفق (لقاء الديمقراطيين) والظن، أن الجماعة  وبسبب الخوف من تقادم الوثيقة، لم تر ضرورة لانتظار الظرف السياسي الموائم أكثر من اللازم،  لعرض تصورها، وأن الدافع الذاتي،  أي الرغبة في  تحقيق أعلى قدر من التمايز بين السياسي والدعوي، ألزمها بهذا الخروج الذي لم يعهد في تاريخ الجماعة ترتيبه  من غير تخير للظرفية السياسية المناسبة.

المستوى الرابع: وتمثل في تجاوز الجماعة منطق الاكتفاء بعض المبادئ التي تمهد لاجتماع الفضلاء الديمقراطيين، إلى تقديم تشخيص عام للوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل تشخيص قطاعي يعرض لأهم الإشكالات الي تعاني منها القطاعات الحيوية، والمعضلات التي تسببت فيها السياسات العمومية السائدة، والتدابير الإجرائية التي ترى الجماعة ضرورتها للخروج من الأزمة. يتمثل هذا التحول في الانتقال من اللغة الراديكالية، التي تهيئ شروط القطع مع الوضع السياسي، إلى تبني اللغة الإصلاحية المرحلية، التي تعالج الوضع الراهن، وتشتبك مع السياسات العمومية في كل قطاع على حدة، وتعرض للمقترحات العملية التي تقدر أنها كفيلة بالخروج من الأزمة. وهو تحول كبير بالنظر إلى أدبيات الجماعة السابقة، التي كانت تعتبر البرامج السياسية في ظل الوضع الاستبدادي القائم مجرد برامج ترقيعية، وأن الجماعة معنية بتقديم تصورها مشروع مجتمع ينهض من أجل القومة على الحجم الجبري وإقامة الخلافة على مناهج النبوة.