تقارير

بعد فشل القضاء على المقاومة.. ما إمكانية ترويض إسرائيل لقبول مسار سياسي جاد؟

التجربة أثبتت أنه لا يمكن فرض أي حل لصالح الفلسطينيين إلا عبر قوة الشعب الفلسطيني واقتداره وصموده.. (عربي21)
بعد دخول الحرب التي يشنها جيش الاحتلال الإٍسرائيلي على قطاع غزة شهرها الخامس، وفشله في تحقيق أهدافها المعلنة، لا سيما القضاء على قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية، يتصاعد الحديث عما ستكون عليه الحالة السياسية في ظل معطيات ما بعد الحرب التي ما زالت في طور التشكل والتبلور.

تَكثر التحليلات، وتتعدد الآراء في هذا الشأن، لكن ما يجري الحديث عنه بصورة لافتة، هو إثارة حل الدولتين من جديد، مع إمكانية ترويض المجتمع الإسرائيلي لتقبل مسار الحل السياسي بجدية، في ظل فشل جيش الاحتلال الإسرائيلي في القضاء على المقاومة، وهو ما يحتم سلوك ذلك المسار بحكم الاضطرار الذي تفرضه معطيات الواقع الجديدة.

وتعول تلك التحليلات والآراء على موقف الإدارة الأمريكية، الذي بات يدفع باتجاه الضغط على مختلف القوى والتيارات الصهيونية الرافضة لمثل ذلك المسار، بدوافع أيدولوجية وسياسية عديدة، للاقتناع به وتقبله، وفي الجانب الفلسطيني ثمة تقبل مسبق لفكرة حل الدولتين، حتى من طرف حركة المقاومة الإسلامية حماس، وفق ما أعلنته في وثيقة المبادئ والسياسات العامة عام 2017، من أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران 1967 يعد "صيغة توافقية وطنية مشتركة".

لكن من يستبعدون إمكانية ترويض المجتمع الإسرائيلي بقواه وتياراته وأحزابه المختلفة، وكثير منها يرفض أي مسار سياسي جاد، يجادلون بأن مسار حل الدولتين لم يكتب له النجاح في إسرائيل حينما كانت قوى وتيارات الوسط واليسار تحكم إسرائيل، فكيف يمكن فرضه الآن مع وجود تيارات يمينية متطرفة لها حضورها في الشارع الإسرائيلي، ولها نفوذها في السلطة السياسية؟

الأكاديمي الفلسطيني، والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور محمد هلسة، رأى أن "دعوات الولايات المتحدة لإمكانية إقامة دولة فلسطينية، في أوج الحرب الطاحنة التي تشنها إسرائيل، وفي ظل صعود اليمين القومي العنصري الذي يحكم إسرائيل، ليست دعوة بريئة، كما أن أمريكا ليست وسيطا نزيها".


                                محمد هلسة.. أكاديمي وخبير في الشأن الإسرائيلي

وأضاف: "لقد كان أمام الولايات المتحدة وقت طويل قبل السابع من أكتوبر، وكانت الظروف مواتية أكثر من الوقت الحالي، وكان يحكم إسرائيل لسنوات طويلة جدا ما يسمى بمركز الوسط واليسار في جزء منه، ومع ذلك لم تلجأ الولايات المتحدة إلى وضع هذا الموضوع على أجندة عملها السياسي، بل أدارت ظهرها له، وهي المسؤولة عن وضع القضية الفلسطينية على الرف، وإدخال الإسرائيلي إلى العواصم العربية كافة، وتماشيها مع الطرح الإسرائيلي في تحويل القضية الفلسطينية إلى سلام اقتصادي، وتحويل السلطة إلى بلدية كبيرة".

وواصل هلسة حديثه لـ"عربي21" بالقول: "هذا جزء من سلوك أمريكي لسنوات طويلة جدا، ولم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية جرَّ إسرائيل إلى مربع الحديث عن حقوق الفلسطينيين، والدولة الفلسطينية، وقد كانت الظروف مواتية أكثر في المجتمع الإسرائيلي من الوقت الراهن الذي ينزاح فيه باتجاه اليمين" متسائلا "أفتعل ذلك الآن؟".

ونبّه إلى أن "دوافع أمريكا من طرحها الآن بالتلويح لإسرائيل بأنها قد تذهب منفردة للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، إنما هو لتوصيل رسائل لنتنياهو بأن دعك من شعاراتك الكبيرة في الحرب، وتعال لنتحدث عن قضايا تجنبك الذهاب للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وهو ذات موقف البريطانيين، الذين يقولون قد نذهب منفردين للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ونحن نعلم تماما أنها مواقف منافقة، وأنها للاستهلاك المحلي بسبب تزايد الاحتجاجات الدولية، وتزايد التعاطف الدولي مع الحقوق الفلسطينية، وما يجري في غزة وفلسطين".

أما عن الداخل الإسرائيلي، فتساءل الأكاديمي هلسة: "هل من المعقول لإسرائيل التي نعرفها، في ظل ما نراه من انزياح باتجاه اليمين فيها، ليس على مستوى النخب السياسية فقط، وإنما في أوساط شرائح مجتمعية واسعة، أن تستطيع أمريكا جرها إلى مربع طاولة المفاوضات مع هذا اليمين العنصري الفاشي الديني، الذي يطرح تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وإعادة احتلاله من جديد؟".

وأردف: "كيف يمكن لأمريكا أن تتمكن من فعل ذلك في الوقت الذي تعجز فيه عن إلزامه بهدنة إنسانية، أو إلزامه بخفض أعداد الضحايا الذين يسقطون كل يوم في قطاع غزة، أو إلزامه بإدخال المساعدات؟ وإذا كانت أمريكا ومعها المنظومة الدولية غير قادرة على إلزام إسرائيل بجزئيات بسيطة جدا تتعلق بحقوق إنسانية، ولا تتعلق بحقوق سياسية كبيرة، فهل تستطيع أمريكا أن تفرض على إسرائيل مثل هذه الأجندة والمواقف؟"، ليجيب بقوله: "هذا كله هراء، وهو لا يعدو أن يكون للاستهلال المحلي".

ولفت هلسة إلى أن "الإسرائيلي يهزأ بالولايات المتحدة، تماما كما خرج نتنياهو للرد على الرئيس الأمريكي، حينما قال بأن نتنياهو وافق على إقامة الدولة الفلسطينية، نافيا قبوله بذلك، في حقيقة الأمر كيف يمكن التفكير بأن نتنياهو وحكومته المتطرفة توافق على ذلك وهو يحاول إنهاء الوجود الفلسطيني، بكل ما في الكلمة من معنى، تهجير وقتل وتدمير، ما يعني أن هذا الأمر لا يمكن التعاطي معه".

من جانبه لفت الباحث السياسي الفلسطيني، الدكتور زاهر حنني إلى أن "حل الدولتين مرفوض فلسطينيا أيضا لدى شريحة واسعة جدا؛ لأنه حل مفصل وفق المقاسات الأمريكية، الإسرائيلية، الغربية، ومن ثم فإنه يظلم الفلسطينيين وهم أصحاب الأرض الشرعيين".


                                       زاهر حنني، كاتب وباحث فلسطيني

وتابع بالقول: "إن إثارة موضوع الدولتين من جديد من قبل أمريكا ودول غربية أخرى، وتداوله بكثرة في الإعلام كحل سياسي إنما هو لغايات انتخابية، ثم إن مواصفات الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها ليست بمواصفات (الدولة الإسرائيلية)، بل إن ما يتداولونه لا يعبر عن أقل القليل من تطلعات الشعب الفلسطيني، ويمكنني الجزم بأن هذا الاجترار إنما هو لذر الرماد في العيون فقط، بعد ما كشفته معركة طوفان الأقصى من إرهاب الاحتلال تجاه الفلسطينيين".

وردا على سؤال "عربي21" بشأن دوافع أمريكا والدول الغربية في حديثهم عن إقامة الدولة الفلسطينية، نبَّه الباحث حنني إلى أن "ما يروجون له من دولة فلسطينية منزوعة السلاح وما شابه ذلك، يحقق نوعا من الاستقرار الذي يجلب لهم بعض الأرباح، وبالتالي فإن هدف حل الدولتين ليس هدفا حقيقيا لهؤلاء، إنما هو حديث للخروج من الأزمة، ولو كان حقيقيا فيمكنهم فرضه بالتأكيد على إسرائيل".

وأضاف: "تستطيع أمريكا لو توافرت النية الحقيقة لديها فرض ذلك الحل، حتى لو كانت كل حكومة الاحتلال يمينية وفي أشد حالات التطرف، كون الولايات المتحدة هي الممول الأول للكيان المحتل، واستمرار الكيان يعتمد على ذلك التمويل، بدليل ما قدمته للكيان من مساعدات لولاها لما استمرت الحرب لأكثر من شهر" على حد قوله.

وعن تقبل المجتمع الإسرائيلي بقواه وأحزابه وتياراته المختلفة لمسار سياسي جاد، في ظل معطيات جديدة فرضتها معركة طوفان الأقصى وتداعياتها، لم يستبعد إمكانية ذلك "إذا فرضت عليهم بالقوة، أما أيديولوجيا فلا يتقبلونها، لأن كيانهم قائم على نفي الآخر وهو الفلسطيني، وهم يعتقدون أن بقاء الفلسطيني خطر على وجودهم، فالأمر ليس سهلا، لهذا فإن استمرار المقاومة هو رجاء الفلسطينيين لضمان استمرار وجودهم، أما الحلول (السلمية) فأثبتت عدم جدواها على مدى ثلاثة عقود سبقت".

وخلص إلى القول: "لقد أظهرت التجارب والأحداث عبر ستة وسبعين عاما من الصراع على أرض فلسطين أن القيم الإنسانية والعدل والمساواة وغيرها، ليست مدرجة على أجندات الولايات المتحدة والغرب عموماً، فما يحقق مصالحها تكون له أولوية، إلا إذا تعارض مع أهدافها في تثبيت كيان الاحتلال في قلب الوطن العربي".

وبدوره قال الكاتب والباحث الفلسطيني، عزيز العصا: "من نتائج معركة طوفان الأقصى وتداعياتها حدوث توازن الرعب، إذ زاد خوف الصهاينة من المقاومة بعد ما قامت به في السابع من أكتوبر، وبات الخوف منتشرا في المجتمع الإسرائيلي، وهذا المجتمع لا يروضه إلا الخوف، وبعد أربعة أشهر من العدوان على غزة، فشل جيش الاحتلال في القضاء على المقاومة في غزة".


                                                 عزيز العصا.. باحث فلسطيني

وأضاف لـ"عربي21": "إن صمود المقاومة البطولي في مواجهة جيش الاحتلال في غزة، وقدرتها على الإثخان في قوات العدو الصهيوني، وصمودها البطولي في مواجهة جيش الاحتلال في غزة، سيكون له انعكاسات على المجتمع الإسرائيلي، وقد يدفع باتجاه قبوله بما لم يكن مقبولا من قبل، وربما يفضي إلى مسار سياسي جديد".

وأكدّ في نهاية حديثه أن "التجربة أثبتت أنه لا يمكن فرض أي حل لصالح الفلسطينيين إلا عبر قوة الشعب الفلسطيني واقتداره وصموده؛ أي بإيجاد (توازن قوة) بين طرفي الصراع، لحين أن تلتئم الأمة العربية وتأخذ دورها في مواجهة شاملة للمشروع الصهيوني في المنطقة".