أفكَار

هذه روايتنا.. لماذا طوفان الأقصى؟ السردية الفلسطينية في مواجهة مزاعم الاحتلال

تكتسب الوثيقة أهميتها السياسية والفكرية باعتبارها صادرة عن أكبر حركة سياسية تقود المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي..
قبل حوالي شهر أصدرت حركة المقاومة الإسلامية حماس وثيقة سياسية هامة تحت عنوان "هذه روايتنا.. لماذا طوفان الأقصى"، لم تحظ بالكثير من النقاش والتحليل من طرف المراقبين.

تتكون الوثيقة من 16 صفحة موزعة على 5 محاور: "لماذا معركة طوفان الأقصى؟"، "الرد على ادعاءات جيش الاحتلال"، "نحو تحقيق دولي نزيه"، "تذكير للعالم من هي حماس"، "ما هو المطلوب؟".

وقد كتبت الوثيقة بلغة وصفية تقريرية مركزة، استندت على حقائق التاريخ واعتمدت على المستندات القانونية والمعطيات الإحصائية الموثقة، محاولة اعتماد لغة موضوعية تخاطب عقل القارئ المهتم بفهم جذور وخلفيات الصراع الجاري فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تكتسب الوثيقة أهميتها السياسية والفكرية باعتبارها صادرة عن أكبر حركة سياسية تقود المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهي المسؤولة المباشرة عن أكبر عملية عسكرية نفذتها قوى المقاومة منذ نكبة 1948، وهي عملية طوفان الأقصى التي انطلقت يوم 7 أكتوبر لتعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الدولية بعد سنوات من التهميش والتجاهل، وقد زاد العدوان الصهيوني على غزة وحرب الإبادة المتواصلة لمدة تزيد عن أربعة أشهر من هذه الأهمية، باعتبار مكانة التحليل الذي تقدمه حركة حماس وروايتها لهذه الأحداث، كما تكتسب الوثيقة أهمية استشرافية واستراتيجية لأنها تتجاوز عملية الجواب عن السؤال المطروح في عنوانها، لتعيد التذكير بطبيعة القضية الفلسطينية، وتعمل على وضعها في إطارها الصحيح، وتفتح آفاقا جديدة أمام المشروع الوطني الفلسطيني وأمام النظام الرسمي العربي لإعادة قراءة التحولات الجارية وتقدير المواقف المناسبة اتجاهها.

سردية فلسطينية موثقة في مقابل سردية صهيونية كاذبة..

يتعلق الأمر بسردية فلسطينية مركزة في مقابل سردية صهيونية "نجحت" في البداية في ترويج الكثير من الأكاذيب والمغالطات حول ما حصل يوم السابع من أكتوبر، و"نجحت" في كسب تعاطف العديد من الحكومات الغربية وجزء من الرأي العام العالمي، لكن مع مرور الوقت بدأت مجموعة من الحقائق تنكشف تباعا، وبدأت الصحافة الاستقصائية تكشف على مجموعة من الحقائق بما فيها الصحافة الإسرائيلية.

تستعرض الوثيقة الظروف والملابسات التي أحاطت بعملية طوفان الأقصى، وذلك بوضعها في سياقها التاريخي الصحيح، وهو سياق الصراع الممتد مع الاحتلال الذي لم يبدأ يوم السابع من أكتوبر 2023 وإنما تعود جذوره إلى أزيد من مائة سنة، 30عاما في مواجهة الاستعمار البريطاني و75 عاما في مواجهة الاحتلال الصهيوني، حيث تقدمت الوثيقة باستعراض تاريخي مركز لطبيعة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب عانى ولازال يعاني من احتلال استيطاني عنصري لأزيد من 75 سنة ذاق خلالها الشعب الفلسطيني مختلف أنواع القهر والظلم ومصادرة جميع حقوقه الأساسية، بالموازاة مع اعتماد سياسات الفصل العنصري الممنهج ضده من طرف قوات الاحتلال، فضلا عن معاناة قطاع غزة من حصار خانق مستمر منذ أكثر من 17 عاما، كما تستعرض الوثيقة إحصائيات موثقة حول حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الشعب الفلسطيني منذ سنة 2000 إلى 2023 بعدما شنت دولة الاحتلال الصهيوني خمسة حروب على قطاع غزة كانت هي صاحبة المبادرة فيها، مخلفة آلاف القتلى والجرحى في صفوف المدنيين أساسا، أمام مرأى ومسمع من العالم كله، دون أن تكلف القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة نفسها مسؤولية التدخل لإجبار دولة الاحتلال على الانصياع للقرارات الأممية التي تجاوزت 900 قرار لصالح الشعب الفلسطيني، وعلى طول 75 سنة لم تلتزم دولة الاحتلال بتنفيذ أي واحد منها، مدعومة بالفيتو الأمريكي، وهو ما جعلها دولة فوق القانون بتواطؤ مكشوف من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

خطوة ضرورية بعد فشل مسار التسوية السياسية ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية..

وفي سياق استعراض الوقائع الثابتة التي تؤكد انسداد أي أفق أمام الشعب الفلسطيني، تذكرنا الوثيقة بفشل مسار التسوية السياسية، فرغم توقيع منظمة التحرير الفلسطينية لاتفاق أوسلو سنة 1993 الذي كان من المفترض أن يؤسس لدولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع، فإن دولة الاحتلال قامت بتدمير أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية، وذلك من خلال مضاعفة الاستيطان ومسلسل التهويد في الضفة الغربية، ولاسيما في القدس الشرقية، والتصريح العلني من طرف مسؤولي دولة الاحتلال بالرفض القطعي لقيام دولة فلسطينية وإنكار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهو ما يعني غياب أي إرادة جدية لبناء دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية سواء من طرف دولة الاحتلال أو من طرف المجتمع الدولي.

إن عملية طوفان الأقصى كانت خطوة ضرورية واستجابة طبيعية لمواجهة ما يحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة على الأرض وهويتها، وحسم السيادة على المسجد الأقصى والمقدسات، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، وخطوة طبيعية في إطار التخلّص من الاحتلال، واستعادة الحقوق الوطنية، وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وهكذا، وبعد أكثر من 75 عاما من الاحتلال والمعاناة، وإفشال أي أمل بالتحرير والعودة، وبعد النتائج الكارثية لمسار التسوية السلمية، وأمام مخططات التهويد والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وتصاعد وتيرة الاقتحامات الاستفزازية للمستوطنين للمسجد الأقصى، "ماذا كان يتوقع العالم من شعبنا أن يفعل؟" تتساءل الورقة.

إن عملية طوفان الأقصى كانت خطوة ضرورية واستجابة طبيعية لمواجهة ما يحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة على الأرض وهويتها، وحسم السيادة على المسجد الأقصى والمقدسات، وإنهاء الحصار الجائر على قطاع غزة، وخطوة طبيعية في إطار التخلّص من الاحتلال، واستعادة الحقوق الوطنية، وإنجاز الاستقلال والحرية كباقي شعوب العالم، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

رد على الادعاءات الكاذبة وتحدّ بفتح تحقيق دولي نزيه..

 وفي سياق ردها على الحملة الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام الغربية استنادا على الرواية الصهيونية الكاذبة، شددت الوثيقة على أن حركة المقاومة ظلت دائما تتجنب استهداف المدنيين وخصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن، وهو التزام ديني وأخلاقي يتربى عليه أبناء حماس، حيث إن المقاومة ملتزمة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، مؤكدة أن ما يروجه الاحتلال الإسرائيلي حول استهداف كتائب القسام لمدنيين إسرائيليين في هجوم يوم 7 أكتوبر هو محض افتراء وكذب، مجددة التذكير بأن الادعاء بقتل أربعين طفل رضيع هو مجرد كذب باعتراف من المصادر الإسرائيلية نفسها، كما نفت الوثيقة بشكل حاسم الادعاء بقيام المقاومين باغتصاب نساء إسرائيليات، حيث ثبت كذبه، مؤكدة أن عملية طوفان الأقصى استهدفت المواقع العسكرية الإسرائيلية، وسعت إلى أسر جنود العدو ومقاتليه، من أجل إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، من خلال عملية تبادل؛ ولذلك تركز الهجوم على فرقة غزة العسكرية الإسرائيلية، وعلى المواقع العسكرية في مستوطنات غلاف غزة، والتي كانت دائما تشكل مصدر قصف وإطلاق النار على غزة وأهلها، دون أن تنكر وقوع انزلاقات جانبية بعد الانهيار السريع للقوات الصهيونية.

وفي هذا السياق، دعت الوثيقة الدول التي تروج لمثل هذه الوقائع الكاذبة وعلى رأسها الولايات المتحدة وألمانيا وكندا وبريطانيا وغيرها، أن تعلن عن دعمها لمسار التحقيق من طرف المحكمة الجنائية الدولية في كل الجرائم التي اقترفت في فلسطين المحتلة، إذا كانت حقا معنية بالعدالة كما تدعي.

حماس حركة تحرر وطني والمقاومة حق مشروع..

ومن أهم الفقرات التي جاءت في الوثيقة هو أنها أعادت التذكير بحقيقة حركة المقاومة الإسلامية وطبيعتها باعتبارها "حركة تحرر وطني ذات فكر إسلامي وسطي معتدل، تنبذ التطرف، وتؤمن بقيم الحق والعدل والحرية، وتحريم الظلم، كما تؤمن بالحرية الدينية والتعايش الإنساني الحضاري، وترفض الإكراه الديني، وترفض اضطهاد أي إنسان أو انتقاص من حقوقه على أساس قومي أو ديني أو طائفي"، وهو تعريف على درجة عالية من الأهمية في هذه الظرفية التي تكالبت فيها الآلة الإعلامية الدولية من أجل شيطنة الحركة ووضعها في نفس الخانة مع "داعش" و"القاعدة" وأخواتها، بل إن رئيس الجمهورية الفرنسية بادر إلى الدعوة إلى تشكيل تحالف دولي ضد حماس على غرار "التحالف الدولي ضد داعش" كما تصر الآلة الإعلامية الصهيونية على إلصاق كلمة داعش مقرونا بكلمة حماس إمعانا في خلط الأوراق ووضع حركة تحرر وطني تقاوم الاحتلال في نفس خانة تنظيم متطرف وغامض وليس له أي امتداد شعبي وطني تطرح الكثير من الأسئلة عن طبيعة نشأته ووظائفه الخفية التي لا علاقة لها بشعاراته المعلنة والتي ليست من ضمنها ـ ويا للعجب ـ تحرير فلسطين.

بالإضافة إلى قيمتها التوثيقية، تمثل ورقة حماس أرضية جدية للحوار بين الفصائل الفلسطينية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والتقدم للعالم بدفتر المطالبة بالاستقلال استلهاما من تجارب الحركات الوطنية التي عانت من الاستعمار في بداية القرن العشرين..
وأكدت الوثيقة أن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعًا مع اليهود بسبب ديانتهم، وحماس لا تخوض صراعًا ضد اليهود لكونهم يهودَا وإنما تخوض صراعا ضد الصهاينة لأنهم محتلون يعتدون على الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته، معتبرة أن المقاومة حق مشروع كفلته جميع الشرائع والأديان السماوية، وأقرته القوانين الدولية، من اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الأول، إلى إعلانات وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن أبرزها قرار الأمم المتحدة 3236 في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1974، والذي أكد أيضا على حق الشعب الفلسطيني في العودة، وفي تقرير المصير. وإن هذ الحق الثابت أكدته أيضا الممارسات والقرارات الدولية طوال فترات الاستعمار والاحتلال الأجنبي للكثير من البلدان التي نالت استقلالها في نهاية المطاف.

واختتمت الوثيقة بتسطير مجموعة من المطالب المتمثلة في: وقف العدوان الإسرائيلي فورًا على قطاع غزة والعمل على معاقبة الاحتلال الإسرائيلي قانونيًا على احتلاله، ودعم المقاومة ضد الاحتلال بكل السُبل المتاحة باعتبارها حقًا مشروعًا وفقًا للقانون الدولي، كما دعت الوثيقة دول العالم الحر ولاسيما الدول والشعوب التي كانت مستعمرة وتدرك معاناة الشعب الفلسطيني، إلى أخذ موقف جاد وفعال ضد ازدواجية المعايير التي تمارسها القوى الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، ودعت الوثيقة القوى الكبرى إلى التوقف عن توفير الغطاء للكيان الصهيوني وكأنه "دولة فوق القانون" مع تأكيد رفض أي مشاريع دولية وإسرائيلية تسعى لتحديد مستقبل قطاع غزة، والوقوف في وجه محاولات تهجير فلسطينيي الداخل "فلسطينيي 1948، والضفة والقطاع"، ومواصلة الضغوط الشعبية عربيًا وإسلاميًا ودوليًا لإنهاء الاحتلال.

والخلاصة

في رأيي، بالإضافة إلى قيمتها التوثيقية، تمثل ورقة حماس أرضية جدية للحوار بين الفصائل الفلسطينية لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والتقدم للعالم بدفتر المطالبة بالاستقلال استلهاما من تجارب الحركات الوطنية التي عانت من الاستعمار في بداية القرن العشرين، كما تمثل هذه الوثيقة فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ومخاطبة العالم بلغة واحدة وموحدة، آخذة بعين الاعتبار حجم التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في مسيرته الكفاحية الطويلة التي قدم خلالها آلاف الشهداء وآلاف الجرحى والأسرى والمعطوبين، في سبيل تحقيق الاستقلال الوطني والتحرر من الاحتلال البغيض.

كما تمثل هذه الورقة فرصة لما تبقى من النظام العربي لإعادة ترتيب أوضاعه والخروج من لعبة المحاور والارتهان بالأجندات الإقليمية والدولية، إلى إعادة التموقع في الساحة الدولية عبر بلورة "مبادرة عربية جديدة لحل عادل للقضية الفلسطينية" على ضوء المعطيات الجديدة التي كشفت عن حقائق إيجابية مؤكدة لفائدة القضية الفلسطينية، إذا أحسن استثمارها من قبل الدول العربية وجعل حلها على رأس الأولويات في المرحلة القادمة.