قضايا وآراء

حركات الإسلام السياسي وإعادة بناء الذات

1300x600
هذا المقال يأتي للإيمان المطلق بأن قدرة الإسلام السياسي على تولي السلطة سيكون "حالة قدرية جبرية" لا يمكن إغفالها وأن تسلم التيارات الإسلامية السياسية للسلطة هي مرحلة انتقالية لا بد منها ما بين النموذج الشمولي الدكتاتوري والنموذج الحر، وأن توليهم السلطة في بعض الدول سيكون أمرا حتميا بعد المد الثوري الثاني وموجة الربيع العربي القادمة. وإن هذه المرحلة قد تستمر لعدة عقود قبل أن يتم الانتقال إلى مرحلة النموذج الحديث. لأجل ذلك يكون علينا من اللازم التفكير بترشيد هذه الحالة لتكون تلك الحقبة ذات أخطاء أقل وتكون مرحلة العبور إلى النموذج الحر المنشود أقل تكلفة وأكثر مواءمة مع الواقع المرجو، ما يجعل من المهم تفكير تيارات الإسلام السياسي في ضرورة إعادة صياغة ذاتها في أكثر من وجه.

(1) الانتقال من المشروع الأممي إلى المشروع الوطني

لا زالت حركات الإسلام السياسي تقيم أبجدياتها الفكرية على المشروع الأممي فتجد النظرية التي تقول بأن "موطن المسلم يكون في أي بلد حيثما وجد مسلم يذكر اسم الله فيه" هي الأساس لديهم في منطلقهم الفكري، هذا التصور قائم في كل أبجديات الإسلام السياسي الشرقي وهذا انعكس على البرامج العملية لتلك التجمعات السياسية فنجد تلك التيارات منشغلة ومستهلكة في كل الأحداث والصراعات السياسية في كل بلدان العالم ما دام يوجد هناك في هذه الصراعات طرف مسلم مع أن بواعث الصراع أحيانا قد تكون عرقية وسياسية وليست دينية.

لا زالت حركات الإسلام السياسي الشرقية تنظر بنصف عين ونظرة ازدراء وتشكيك في مفهوم الدولة الوطنية ونظرية المواطنة السياسية المرتبطة به، الجدل السياسي كبير في أروقتهم الداخلية حول هذا المصطلح السياسي الذي يتساوى فيه المواطنين في الدولة بالحقوق والواجبات بغض النظر عن دينهم وعرقهم ولغتهم وأصولهم لا زالوا يبحثون فيما إذا كان يحق لغير المسلم مثلا أن يترشح أو يتسلم قيادة دولة مسلمة وهل يحق للمرأة سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة أن تتسلم الولاية العظمى، لا زالت الحركات السياسية الإسلامية تعيش فقه سياسي يتغذى ويجتر كتب الفقه القديم مع أن الواقع ونظريات العلم السياسي تطورت كثير في هذا الموضوع، لم تحسم حركات الإسلام السياسي نظريا موقفها من مفهوم المواطنة باتجاه المساواة بين المواطنين سياسيا بغض النظر عن دينهم  أو عرقهم أو أصولهم أو لغتهم.

في ذات الأمر لا زالت حركات الإسلام السياسي لا تؤمن بالعمل الوطني بمفرده، بقدر إيمانها واهتمامها بالمشروع الإسلامي بكليته "محاولة إحياء الجامعة الإسلامية التي نظر لها السلطان التركي عبد الحميد لإعادة إحياء الدولة العثمانية" وإن كان هناك استثناء في ذلك متمثل في النموذج التركي والنموذج الماليزي التي تحسب قيادات نهضته على التيارات المحافظة القريبة من الإسلام السياسي تجارب انصرفت إلى العمل الوطني وقدمت نماذج للعمل الوطني المنجز والناجح تستحق التوقف عندها طويلا ومحاولة السير على هدي نجاحاتها.

من المحير أن يكون لحزب إسلامي متجذر في المجتمع "مسؤول ملف وطني" هذه الظاهرة الخطيئة تدعو للسؤال هل الأحزاب لديها ملفات غير الملف الوطني؟!، نتفهم الاهتمام بالعلاقات الخارجية التي تؤثر في الشأن المحلي والوطني وهذا ضرورة مطلوبة لكن تتم معالجة ذلك بتعيين مسؤول للعلاقات الخارجية لتكون فرع من أصل لا تعيين مسؤول الملف الوطني الذي هو في الأصل والأساس لا الاستثناء في عمل وبرامج الحزب.

(2) الانتقال من المطالبة بالخلافة الإسلامية إلى الدولة المدنية 

لا يكاد يخلو حديث أو كتاب أو ندوة أو محاضر داخلية لحركات الإسلام السياسي الشرقية إلا بالتذكير والتبشير في استرجاع دولة الخلافة أو الإمبراطورية الإسلامية القديمة معتبرين أن نموذج الخلافة هو أصل من أصول الدين وإن دور هذه الحركات ينتهي بانتهاء إقامة واسترجاع نموذج الخلافة القديم، تصور يقوم على محاولة استرجاع حلم الإمبرطورية الإسلامية القديمة هذا النموذج من الحكم الذي كان سائد في العصور الوسطى والتي كانت تطغى به نماذج الإمبرطوريات المركزية إذا كانت تقوم إلى جانب الإمبرطورية الإسلامية الإمبراطورية الفارسية والرومانية وكان الصراع على النفوذ في المنطقة محتدم بين تلك الإمبرطوريات.

هو إذا مشروع الحلم الذي يسيطر على هواجس وأماني الإسلاميين ويتصوروا هذا الحلم في إقامة دولة تمتد على كل بقعة يقيم فيها مسلم يذكر اسم الله ويكون هناك خليفة لهذه الإمبراطورية يختاره ثلة من علماء الدين والنخب العلمية "التكنوقراط" والعسكر هذه الثلة تسمى أهل الحل والعقد، وتكون قواعد تعين هذا الحاكم وعزله وفقا لما هو موجود في كتب الفقه القديم بمدارسها المختلفة.

حركات الإسلام السياسي اليوم مطالبة بأن تحدث نظرتها للدولة حتى تستطيع القدرة على مجاراة الواقع والعيش والبناء والتأثير به وتقديم شيء للمجتمعات بعيدا عن الأفكار الحالمة والأمنيات الغير واقعية إذ أصبح مفهوم الدولة المركزية الممتدة على بقاع الأرض غير ممكنا عمليا وأثبت فشله إداريا في العصر الحديث وإن الدول المركزية نماذج غير قادرة على إدارة التعقيدات وتلبية الرغبات وتحقيق الخير المنشود حاليا نظرا لاختلاف الظروف، نموذج الاتحادات اللامركزية الفدرالية كما هو في أمريكا أو الاتحادات الكنفدرالية كما هو في أوروبا هي النماذج القابلة للحياة في هذا العصر الحالي كما أن هذه النماذج لا يمكن لها أيضا النجاح إلا إذا نجحت الدولة الوطنية أو الولاية والتي تشكل اللبنة الأساسية في نجاح الاتحادات الفدرالية أو الكنفدرالية.

من المهم على حركات الإسلام السياسي أن تعيد قولبة وصياغة نظرة أفرادها للدولة المدنية وتعلن إيمانها بهذه الدولة وتبتعد عن التنظير للدولة الدينية أو محاولة التبشير بالدولة المركزية القديمة، حركات الإسلام السياسي بحاجة إلى صياغة وقولبة نظرتها للدولة وفقا للأسس الحديثة للدولة المدنية التي تقوم على الإيمان بالتداول السلمي للسلطة بتبني موقف صريح من الإيمان المطلق بالاحتكام للصندوق وعدم احتكار السلطة وكذلك احترام حرية الاعتقاد والتدين وأحقية كل فرد أن يؤمن دينيا بما يريد وحقه أن يمارس الطقوس التي يريدها داخل دور العبادة دون أن يخل بالنظام العام للدولة أو  يخالف نص قانوني، من المهم أيضا أن تربي التيارات الإسلامية أفرادها على احترامها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان "حلف فضول هذا العصر" وما يترتب عليه من برامج عملية، وإيمانها وإيمان أفرادها بشكل صريح وواضح في أن اليد العليا هي للمؤسسات في الدولة وفصل السلطات وسيادة القانون.

إيمان الحركات الإسلامية بالدولة المدنية يوجب عليهم التخلي الصريح عن مفهوم الحاكمية الذي نظر له سيد قطب رحمه الله لما لهذا المفهوم من أثر الانفصام بين الاعتقاد بالحاكمية وبين العمل من أجل الدولة المدنية التي تجعل من السلطة تفويض الشعب للحاكم في إدارة موارد دافعي الضرائب وحماية مصالح الناس في الدولة من أي خطر داخلي وخارجي وليست تفويض باسم لله لحكم الأرض.

(3) الانتقال من النضال الديني إلى النضال الديمقراطي

من المهم أن تؤمن حركات الإسلام السياسي "الأذرع السياسية أقصد" اليوم بأن نضالها مع الأنظمة الشمولية المستبدة يجب أن ينصب على التضحية من أجل نشر الديمقراطية والحرية بعد أن أصبحت الحكومات الشمولية تقوم بترخيص المؤسسات وإقامة الوزارات لرعاية الشئون الدينية ورأينا انتشار التدين العبادي التقليدي في كل فئات المجتمع وطبقاتها إذ أصبح التدين التقليدي شيء يؤمن به الجميع ويعمل من أجله الجميع حكومات شمولية وحركات إصلاحية.

تبدل الغاية أو الهدف في توجيه دافعية النضال يتطلب منها أن تكون مقتنعة أن حالة التخلف التي تعيشها الأمة حاليا راجعا إلى تخلفها في مجال الإصلاح السياسي وغياب الديمقراطية وحكم الشعب الذي يعد الركيزة الأساسية لأي تقدم في مجال بناء الإنسان أو البناء الاقتصادي أو المدني، محاولة تفسير ظاهرة التخلف التي تعيشها الأمة وتوصيفها على أنها حالة لتخلي المسلمين عن تدينهم هو توصيف خاطئ سوف يقود إلى نتائج خاطئة في العلاج فأول خطوة لعلاج المرض هو التشخيص السليم، من المهم أن تعي حركات الإسلام السياسي أن الإصلاح السياسي وتبني الديمقراطية والحرية هي إكسير الحياة وجرعة الشفاء لأسقامها وأمراضها وأنها المتطلب الأساسي لأي حضارة ومدنية منشودة وما دونها قد لا يتعدى أكثر من محاولة إشغال الطاحونة  لطحن الماء والظل والهواء وتعبئة دقيق الوهم.

(4) الانتقال من الشعارات إلى البرامج 

قد يكون اختصر هذا العنوان ما قاله نائب رئيس حركة النهضة المحامي والشيخ عبد الفتاح مورو عندما وصف شعار "الإسلام هو الحل" بالشعار الفارغ الذي لا قيمة له فاسقط بذلك مرحلة الشعارات الفارغة إلى مرحلة البرامج العملية المثمرة.

بهذه العبارة قال أحد قادة الحركة الإسلامية عندما تم سؤاله عن برنامجه فيما لو استلم السلطة لإصلاح الأردن قال "سلموني السلطة واحكموا على ما سوف أقدمه"، في حين أن الأصل كي تقدم الناس الأحزاب للسلطة يجب أن تقدم تلك الأحزاب ما تملكه من البرامج والحلول للمشاكل التي يعانون منها، إذ لا يمكن الناس أن يقدموا السلطة لكل هاوي وراغب في السلطة ليقدم تجربته على غير بصيرة كما تفعل الأنظمة الشمولية في المنطقة فتتحول الدولة إلى حقل من التجارب والتصورات الخاطئة والفاشلة.

لا نريد للحركات الإسلامية أن تبقى تحمل ما حملته التيارات اليسارية في ستينيات القرن الماضي من الشعارات العريضة البراقة اللامعة بعيدا عن البرامج العملية فأورثت البلاد العربية ما بعد الاستعمار الجوع  والاستبداد والتخلف.

قد تكون لغة البرامج غير مرغوبة لدى بعض  قيادات التيارات الإسلامية السياسية كونها لغة رقمية تخرج بعض أصحاب الشعارات وإيهام الذات وباعة الحلم من تصدر المشهد في حركاتهم وأحزابهم لذلك تقابل كل دعوات البرامجية بالتشكيك والإقصاء عندما تقوم بعض تلك التحركات والتصورات في صفوف التيارات الإسلامية.

إعادة بناء وصياغة الذات حالة مهمة وضرورية أيضا لوقف ظاهرة الانشقاقات التي تصيب الحركات الإسلامية في كثير من الدول حيث أنه غالبا لا تخرج أسباب هذه الانشقاقات في كثير منها عن هذه المحاور واختلاف النظرة إلى تلك الأمور بين تيار إصلاحي تقدمي وتيار محافظ متمسك بكل ما هو قديم.

الإسلام السياسي اليوم مطالب بإعادة بناء ذاته وإعادة صياغة وتشكيل منظومته الفكرية بما يواكب التطورات الفكرية والسياسية الحالية وبما يتناسب مع متطلبات المنطقة والإقليم والعلاقات الخارجية وإلا سيكون عقبة كئود أمام  التحولات والتطورات السياسية في المنطقة كما كانت الأنظمة السياسية الشمولية القائمة حاليا والتاريخ لن يسامح أو يجامل أحدا.