مقالات مختارة

من يضع الحد للإرهاب الإسرائيلي؟!

1300x600

كان بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية يرغب جداً في أن يواصل التباهي باستعراض إنجازاته الخارجية، الأسبوع الماضي، لكن لم يكن بمقدوره أن يعلن صراحة وعلناً، عن لقائه مسؤولين سعوديين في مدينة نيوم، لذا فقد نابت عنه الأوساط الصحافية المقربة، التي قالت ذلك، وإن كانت ربما قد بالغت في تحديد المستوى الذي التقاه رئيس حكومتها، وقد تكرر الأمر ذاته قبل أيام، حين أعلن عن اغتيال عالم الذرة الإيراني، وفيما كانت طهران تقول: إن أصابع الاتهام تشير إلى إسرائيل، لم يخرج أحد من الدولة العبرية لينكر التهمة، بل إن مسؤولاً أمنياً إسرائيلياً تبجح بالقول: إن على العالم أن يشكر إسرائيل لأنها قامت بقتل ذلك الرجل.


اليوم وقد حلّ اليوم الأول من الشهر الأخير لهذا العام، يمكن لكل من يرغب أن يقوم بمراجعة حصيلة ما تحقق خلال هذا العام، الذي بدا في أوله مميزاً نظراً لفرادته في الشكل من حيث التكرار العشري، لكنه سرعان ما شهد لعنة «كورونا» التي حلت بالعالم بأسره، وإن كان البعض سيضيف لكارثة «كورونا» كوارث خاصة به، فإن إيران تسجل للعام 2020 أنه بدأ باغتيال الأميركيين لمسؤول فيلق القدس في حرسها الثوري، المسؤول العسكري البارز قاسم سليماني، وقبل أن ينتهي باغتيال إسرائيل لعالمها الذي يدير برنامجها النووي محسن فخري زاده.


وبيّن الاغتيالين، تعرضت إيران لضغوط أميركية - إسرائيلية هائلة، على أكثر من مستوى، فرضت عليها أن تجد نفسها في حالة دفاع عن النفس، خاصة بعد طيّ صفحة الصراع داخل سورية لصالح حليفها السوري، وإن كانت إيران قد اكتفت بالرد على اغتيال سليماني بقصف استهدف الطائرات المسيّرة في المنطقة الخضراء ببغداد، وتجنبت الدخول في حرب مفتوحة مع التواجد العسكري الأميركي في المنطقة، فإن اغتيال فخري زاده، لأنه جاء داخل إيران نفسها، ومن قبل عدو أكثر سفوراً، وأقل قوة، من أميركا، نقصد إسرائيل، يفرض عليها الرد بشكل يكاد يكون أمراً مفروغاً منه، لكنه يحتاج توقيتاً مناسباً، بالنظر إلى المرحلة الانتقالية في الإدارة الأميركية، حيث قيل: إن إسرائيل اختارت هذا التوقيت، في خطوة تضاف لخطوات سياسية أخرى، لتحديد المسار الذي سيسير عليه الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، في ملفات الشرق الأوسط.


حالة من الترقب والخوف تنتاب إسرائيل حالياً، فمن على رأسه «بطحة» يتحسسها، كما يقول المثل الشعبي، وبالمناسبة فقد استعرض الإعلام الإسرائيلي سيناريوهات الرد الإيراني، التي تضمنت تكليف الوحدة 804 من الحرس الثوري القيام باغتيال في الجانب الإسرائيلي، فيما كانت مصادر إسرائيلية تضيف تحذير المسؤولين الأمنيين من احتمال استهداف إسرائيليين يقومون بقضاء عطلتهم في الإمارات وحتى في البحرين!


هذا يشير، في حقيقة الأمر، إلى الخطر الذي كنا قد حذرنا منه سابقاً بمناسبة إبرام اتفاقية «أبراهام» بين إسرائيل والإمارات، ورغم أن الرد الإيراني سيتجاوز حده إن استهدف الإسرائيليين خارج حدود الدولة العبرية، إلا أن خطر إسرائيل نفسها، التي ما زالت تصر على عدم حل صراعاتها مع المحيط بما فيه الجانب الفلسطيني، عبر الحوار والتفاوض، وتصر على اللجوء للحلول الأمنية والعسكرية، وذلك لاستغلال تفوقها العسكري، وبهدف فرض الحلول التي تناسبها، وتجنب الحلول الوسط التي ترضي الطرفين، حتى لو كانت هناك اتفاقيات، خطر إسرائيل يتجاوز حدودها، وهذا الخطر في حقيقة الأمر، وكما كنا نقول دائماً، في حالة تجاوزه لجدار الصد الفلسطيني سيجتاح الشرق الأوسط كله، وسيهدد العالم بأسره.


وإسرائيل في جعبتها ومنذ قيامها سجل حافل بجرائم الاغتيال وارتكاب جرائم الحرب، خاصة في حق الشعب الفلسطيني أولاً، وثانياً بحق الشعوب العربية في دول الجوار، ولسنا هنا بحاجة إلى التذكير بمجزرة قانا أو بحر البقر، كذلك دير ياسين وكفر قاسم، والشجاعية، إلى عشرات الاغتيالات التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين وغيرهم في أكثر من بلد ذي سيادة، إلى كل ما يتضمنه سلوك اللصوص من سرقة أرض وثروات وحتى أموال، وآخرها السطو على أموال المقاصة الفلسطينية، وبهذه المناسبة نقول: إنه رغم أن السلطة الفلسطينية عادت مؤخراً للعلاقة مع إسرائيل على أساس الاتفاقيات بين الجانبين، ومنها اتفاقية باريس، إلا أن إسرائيل أصرت على السطو على نحو خمس الأموال المحتجزة، هكذا دون اتفاق بين الجانبين، كما يفعل اللصوص عادة.


مجمل القول: إن إسرائيل دولة لا تطاق، ومن الصعب التعايش معها، وهي تفضل أن تتعايش مع من هم بعيدون عن حدودها، في حين أن الأولى بها أن تتعايش مع الجوار، لكن من هم على احتكاك يومي بها، يكشفون كنهها وطبيعتها، لذا فإنه لا بد من القول: إنه إذا كانت اللحظة غير مواتية لتجعل من الشعب الفلسطيني قادراً على وضع حد نهائي لإرهاب إسرائيل، فإن المحيط سيجد نفسه في مواجهة معها، وإذا عجز هو الآخر عن فعل ذلك، فسيجد العالم نفسه في يوم ما داخل حدود هذه المواجهة.


تأخذ إسرائيل على إيران سعيها لامتلاك السلاح النووي، مع أن هناك تسع دول في العالم تمتلك هذا السلاح، بل بعضها يمتلك آلاف الرؤوس النووية، ولم يجرؤ أحد على استخدامه وهو يهدد البشرية كلها، وإسرائيل نفسها تمتلك من السلاح عشرات إن لم يكن مئات القنابل، وتهدد بها ملايين العرب والمسلمين، فكيف لك أن تحلل لنفسك ما تحرمه على الآخرين، إن لم تكن عنصرياً تحدد لنفسك مكانة أعلى مستوى من غيرك؟!


لو كانت إسرائيل تحارب نزعات التسلح عبر سياسة نزع السلاح، ولو كانت تدعو للسلام من خلال لفظ سياسة العنف والحرب، لكان يمكن لأحد أن يصدقها ويقف إلى جانبها، لكن أن تسعى لمنع أسباب القوة عن غيرها فقط، لتبقى هي في موقع التفوق على كل الآخرين، فما هذه إلا سياسة تقودها إلى محاولة احتلال العالم في يوم ما. وبدلاً من كل ذلك ندعو إسرائيل إلى احترام الاتفاقيات والقوانين الدولية، وإلى التعايش السلمي ليس مع دولة الجوار الأولى فلسطين وحسب، بل مع كل الجوار العربي والمسلم.

 

(عن صحيفة الأيام الفلسطينية)