كتاب عربي 21

سقارة في العمارة

1300x600
برع إعلام العسكر الأخطبوطي بأذرعه وألسنته، وخيله ورَجله، في ألعاب السيرك وخطف العقول. والأخطبوط حيوان بحري قادر على التلون أكثر من الحرباء ويفوقها في أمر هو تصغير الحجم وتكبيره، فإن شاء قال: مصر أم الدنيا، وإن شاء قال: مصر فقيرة "أوي".

المجموع العام لعلامات الأخطبوط النهائية مع علامة السلوك، أنه قادر على تغيير لونه، وحجمه، ولم يبق سوى دينه.

وكانت إحدى "نِمر" السيرك أنه أشغل الناس بفتاة سقارة العبلاء الكثيبة بالزي الفرعوني، التي ملأت أخبارها الصحف ومواقع التواصل. ووصفت صحف "خضراء الدمن" زيّها بالمثير للجدل، والحق أنه مثير لشيء آخر غير الجدل. واختصم الفريقان؛ فريق يغار على الحياء والأخلاق، وفريق يغار على زي كليوباترا الفرعوني، وهي سيدة إغريقية احتل آباؤها البطالمة مصر.

هناك حرب أزياء في مصر: زيّ العسكري الذي يقود البلاد، بالتحالف مع زي الكنيسة المذهّب الفاخر، وزي الأزهر من جهة، وزي الشعب المرذول، وهو الجلابية التي سخر منها إعلام النظام من جهة ثانية.

وكانت الصبيّة سلمى الشيمي قد ظهرت بالزي الفرعوني كموديل إعلانات في منطقة سقارة الأثرية بالجيزة، جنوبي العاصمة المصرية. وهناك موافقة لفظية بين فرعون والتفريع من جهتين: التكشف والاستعلاء. جاء في لسان العرب: والفَرَعُ أَن يسلخ جلد الفَصِيلِ، وفَرْعُ المرأَة: شعَرُها، وجمعه فُرُوعٌ. وامرأَة فارِعةٌ وفَرْعاءُ: طويلة الشعر، تَفَرَّعَ فلانٌ القومَ عَلاهم.

فرعون اسم عربي، والمصريون عرب، وأذكر هذا لأن له صلة بقضيتنا المركزية وعلى رأسها المرأة.

وقد غضب المجلس الأعلى للآثار، وثار غيرة على الفراعنة، فحسم الجدل، وانتقل إلى العمل بتقديم بلاغ للنيابة العامة ضد "الأمّورة" الفارعة مع بعض السلخ، اتهمها فيه بثلاثة اتهامات، أولها اقتحام منطقة محرمة أثرية في غير أوقات العمل، والتصوير من دون رخصة، واستغلال الأمر تجارياً.

لم يثرْ الأزهر على التصوير في جامع العليم الفتاح في المدينة الإدارية، كما ثار هؤلاء غيرة على الآثار، ولعله لم يفعل لأنه ليس جامعاً على الحقيقة، وإنما مكان للصور التذكارية والعرض، والمدينة الإدارية سفينة نوح ثابتة بناها السيسي للمؤمنين به، حتى إذا فار التنور، لاذوا بها وحصنوها حتى لا يغرقوا مع الغلابة والحرافيش في الفقر. وتزعم الصحافة أن المخرج صوّر الصبيّة العبلاء الفرعاء المصقولة بحركات إغراء وإثارة للبلابل والديوك والطواويس والغربان، ومصر تكثر فيها العوانس من الجنسين، وقد تحاكَم هؤلاء الصبية بقانونين لم يقل بهما تحتمس ورمسيس؛ فإما قانون مكافحة الدعارة، وإما قانون "حماية" المعلومات!

والقصة صناعة مخابراتية في التأويل الأولي، فالمخابرات تخلق كل يوم قصة لممثلة تظهر بزيّ غير فرعوني فاضح سقطت منه البطانة أو لم تسقط بعد. ولا يحتاج الأمر إلى صناعة وتدبير وكيد، فالدولة تشجع الشعب على الفجور، فيفجرون أو يغرون بالفسوق، ولأنها دولة جباية، فإنها سرعان ما تظهر من أجل تحصيل الفكة، ولم يبق في مصر سوى الفكة، وفرعونها الجديد يقوم بتفكيكها حتى تباع بالمفرّق في سوق المستعمل بعد أن بيعت بالجملة.

ثم كان أن لجأت المخابرات المصرية إلى الخطة باء بعد ظهور الاستياء، فكلفت المصور عبد الله منصور بصورة لفتاة من الصعيد تظهر بالزيّ الإسلامي، أو أنه تطوع بنفسه من غير تكليف، فتنفس كثيرون الصعداء وصفقوا للمصوِّر الهمام، وفي المحصلة الفكرية مع علامة السلوك النتيجة على حالها مع فتاة سقارة الثانية المحتشمة، فهي فتاة أيضاً، وهي ترتدي زياً إسلامياً مفرعناً ثانياً، وتؤدي حركات فرعونية ثالثاً، ولم تكن في الصور تصلي مثلاً، أو تقرأ كتاباً، أو تحمل طفلاً، كأنها تتنظر المواطن المصري على توكتوك أبيض، أو السائح الغربي الذي يعشق الفراعنة الآفلين والفرعونات المعاصرات "والمعصرات".

كما أن صور الصبية الثانية المحتشمة لم تخلُ من الرموز الجنسية، فإذا كانت فتاة سقارة الأولى الولية مع ثمار الموز، فإن فتاة سقارة الثانية التقية ظهرت مع مسلة مصرية، وقد نبّه خفراء الآثار المصور بضرورة الحصول على إذن مسبق بجلسة تصوير. ويخشى مصريون أن يصبح شرب الماء من النيل قريباً بحاجة إلى إذن مسبق وفتوى من الأزهر، وهذا موضوع آخر.

هذه ليست المرة الأولى التي تغزو فيها الحكومات العربية الصحراء أو الآثار بصور الحسناوات المثيرات لغير الجدل، ورأينا صورا لإسرائيليات في صحراء الإمارات وأخرى لحسناوات أوروبيات في مدائن صالح، والغرض هو إما التقديس وإما التدنيس.. التقديس في حالة سلمى الشيمي، والتدنيس هو في الحالات الأخرى.

مصيدة الجوعين، جوع ما بين اللحيين، فخ قديم، وهما من أهم حاجات الإنسان، لم يشبع منهما الشعب المصري. وكان نجيب محفوظ قد كتب من وحي الجوع الثاني، وهو حصيلة الجوع الأول، قصة أطلق عليها اسم "الحب فوق هضبة الهرم"، مثّلها أحمد زكي وآثار الحكيم في فيلم، فتزوجا من غير استطاعة على السكن، فتواعدا فوق هضبة الهرم لقضاء ما يقضي الزوج من زوجه، فوشت بهما الحجارة التي لديها آذان وألسنة إلى بوليس الآداب، لإساءتهما إلى جلالة الفرعون المعظّم الذي يقضي وقته في الصوم والتبتل إلى الله في المحاريب.

الصبية العبلاء المصحصحة، والثانية المحجبة، بلحتان صغيرتان، لا تقارنان مع آلهات التمر التي صنعتها المخابرات المصرية، أم كلثوم، ومنيرة المهدية، وسعاد حسني، وبرلنتي عبد الحميد، ثم عبدتها، ثم أكلن أكلا لمّا مثل آلهة قريش في الجاهلية.

يبقى أن نذكّر بأمر خطير وهو أن كليوباترا التي قلدت الصبيّتان حركاتها وسكناتها وآهاتها غير المسموعة، سيدة إغريقية، وهي السابعة من البطالمة الإغريق، ومن الأسرة المقدونية الذين احتلوا مصر، وأنها شقيقة والدها (سفاح قربى)، وأنها الوحيدة من البطالمة التي تنازلت وتعلمت اللغة المصرية، ويقال إنها كانت تعرف عدة لغات، وإنها تزوجت من الإمبراطور الروماني الذي احتل مصر يوليوس قيصر، وأنجبت منه ولداً نجيباً، لكنه رفض إلحاقها بنسبه، وبعد اغتياله، وقعت في غرام القائد مارك انطونيوس المحتل أيضاً، وعندما انتحر حباً بها، لحقت به منتحرة بالسم غالباً.

يقول المؤرخون إنها امرأة كانت تجمع الضرائب الباهظة من الشعب المصري، وتستحم بالحليب. ليس في ترجمة كليوباترا أخبار عن حب للموز فإن كان فهو موز روماني، فقد حاولت كثيراً الدفاع عن عرشها بسلاح جمالها، فلم تستطع، لأن الجمال لا يحفظ العروش، بل إن كثيرا من الحضارات تحطمت على قشور الموز، الحضارات تحفظها القوة في الخارج والأخلاق في الداخل.

twitter.com/OmarImaromar