أفكَار

الإنسان بمنظور القرآن أو "الأنا" لغز الوجود وقاعدة تأويله

أبو يعرب المرزوقي: النفس الإنسانية عند ماركس هي صورة البدن. (الأناضول)

الإنسان لغز الألغاز. فهو أعسر الأشياء على الفهم وهو أحوج الأشياء إلى التأويل. ورغم ذلك فرؤيته لذاته من أهم عوامل سلوكه لظنه إياها عين حقيقته. إنها ببعديها الذي يشهده منها والذي يشهد به ما يشهده من ذاته أعني ما يعتبره عين كيانه العضوي وما يعتبره عين كيانه الروحي هما ما يجعل الألغاز كلها متصلة بهذه العلاقة.

 

سأعالج هذه القضية الفلسفية بمنظور أعلم أن أشباه الفلاسفة ـ ممن يلهثون وراء الموضة في فريق الثقافة الجماهيرية ـ لا يقبلون بها لأنهم يعتقدون أن: الفلسفة تمثل العقل المطابق للواقع والدين يمثل الخيال المطابق للوهم.

 

وهذا الموقف على ما يبدو عليه من بداهة من علامات الأحكام المسبقة التي تحول دون فهم جل فلاسفة العرب قديمهم وحديثهم وهو السر الدفين للإشكالية في حضارتنا المزعومة عقلية: فالقدامى كانوا يحتكمون لما يعتبرونه علما محيطا بالوجود فيزعمون المصالحة بين الديني والفلسفي برد الأول إلى الثاني توهما بأن ما تم في فكر أفلاطون وأرسطو هو العلم المحيط.

 

والمحدثون بعد النكوص الهيجلي والماركسي صار جعلوا هذين بديلين من ذلك ولكن في نفس الوظيفة بمعادلة حمقاء هي عين المعادلة السابقة أي الواقع عقلي العقل واقعي.

 

ومن يزعم التحرر منهم يزعم أنه ما بعد حداثي ولا يدري أن ذلك لا يحررهم من هذين الموقفين بل هو إفراط فيهما إذ هو يجمع بين الموقفين لأنه ليس زعما بالمقابلة بين الديني والفلسفي ولا بين العلمي واللاعلمي،  بل هو إغراق في حب التأله وادعاء الانطواء المطلق ليس حدا من ادعاء الإحاطة بل استغناء عن الاحتكام إلى ما يتجاوز خواطر الأذهان وقلب العلاقة بينها وبين الأعيان: ولو صح ذلك لاستحال أن يتواصل البصر ويحصل بيهم حوار يحتكمون فيه للتجريبي مرجعية للفصل في الذهني.

 

لذلك ففرضية العمل التي أعتمدها في هذه المحاولة هي التي تقول بوحدة المسارين الفلسفي والديني أو على الأقل بالتفاعل بينهما أي بفعل الفلسفي في الديني والديني في الفلسفي، ومن ثم بوحدة الأبعاد الأربعة في أصل واحد هو الفكر الإنساني الذي له أربعة مسارات متكاملة هي بمنطق القيم الخمس للعلاقة بين أي زوجين للوصول إلى الحد الأدنى من قيم منطق البنى المفهومية:

 

1 ـ العلمي مصدرا للتفلسف بمعنى توحيد المعارف بما وراء مفترض لها ولموضوعاتها.

2 ـ العملي مصدرا للتدين بمعنى توحيد المعاني بما وراء مفترض لها ولموضوعاتها.

3 ـ أثر الأول في الثاني وهو محاولة جعله مادة للمعرفة العلمية دون رده إلى المنظور الفلسفي.

4 ـ أثر الثاني في الأول وهو محاولة جعله مادة للمعنى الديني دون رده إلى المنظور الديني.

5 ـ والأصل هو الفكر الإنساني المراوح بين هذه الرؤى أو المواقف الأربعة دون أن يرد إليها لأنها هي الأصل والغاية في آن وهو عين اللغز الذي نطلب له فهما أو تأويلا لعله يساعد في فهم هذا المخمس الذي لا يمكن لأي فكر إنساني ألا يكون خاضعا له أو تابعا له حتى وإن لم يعه.

 

وسأبين أن محاولات فهم هذا اللغز مرت بمرحلتين أولاهما كانت بداية الفلسفة في قطع مع الديني الدين الطبيعي في ملتقى الشرق والغرب أي في ما بين ضفتي المتوسط الشرقيتين ورمزها محاولة أفلاطون وأرسطو ونهاية الفلسفة في ملتقى الشرق والغرب ورمزها محاولة العودة إليهما عند هيغل وماركس.

 

فالمعلوم أن كانط استأنف الإشارة إلى لغزية الإنسان لما نفى أن يكون له حدس لأناه فأنهى ما تقدم عليه من اطمئنان للحلين الأفلاطوني والأرسطي ومحاولة تجاوزها الديكارتي بالمثنوية دون كلام على الأنا الذي ظل مناط البحث عن الوجود عنده ومنطلق إثباته الكلام على مثنوية بين:  جهاز آلي مطلق هو البدن وروح مجهولة الطبيعة.

 

وقد يكون ضمير كلامه يوحد بينها وبين الأنا الذي هو موضوع الكوجيتو فتكلم على علاقة بينهما غريبة التأسيس وفيها بنحو ما توفيق بين أفلاطون وأرسطو والكاثوليكية ذات الميل الصوفي في الرؤية الجنسينية.

 

لكن ما تلا الاستئناف الكنطي الذي أنهى علم النفس الفلسفي وعلم الذات الإنسانية الذي ترتب عليها واكتفى بالفرضيات الثلاث والتي لا تفهم من دون إضافة فرضيتين أخريين مضمرتين في الثلاثة فتكون خمسا في الحقيقة (البعث والحساب).

 

فحرية الإنسان وخلود النفس ووجود الله كلها فاقدة لمعناها من دون أن يكون ضمير ذلك أن وجود الإنسان في عالم الشهادة يتضمن علاقة مباشرة تتجاوزه وتضع وجود عالم الغيب هو ما قابل به عالم الظاهرات، وأن الإنسان يبعث ليعيش مفهوم الخلود في عالم الحقائق التي تتجاوز الظاهرات فيكون عالم الشهادة مقصورا على الظاهرات التي تحيل على عالم الحقائق الذي هو من مجال الإيمان والعقد وليس من مجال النظر.

 

والنتيجة هي أن الضميرين يفيدان أن ما هو موضوع على وجه الفرض فلسفيا شرطه ما هو موضوع على وجه العقد دينيا أعني العلاقة بعالم الغيب وبالبعث فتنعكس العلاقة بين المفروضات الثلاث والعلة الملازمة لكيان الإنسان الذي يشهد به ما يشهده من ذاته دون أن يشهده وهو معنى عدم وجود حدس للأنا الذي هو هذه العلاقة بين الشهادة والغيب في كيان الإنسان.

حرية الإنسان وخلود النفس ووجود الله كلها فاقدة لمعناها من دون أن يكون ضمير ذلك أن وجود الإنسان في عالم الشهادة يتضمن علاقة مباشرة تتجاوزه وتضع وجود عالم الغيب هو ما قابل به عالم الظاهرات، وأن الإنسان يبعث ليعيش مفهوم الخلود في عالم الحقائق التي تتجاوز الظاهرات فيكون عالم الشهادة مقصورا على الظاهرات التي تحيل على عالم الحقائق الذي هو من مجال الإيمان والعقد وليس من مجال النظر

 

لكن هيغل نكص بالفلسفة وبالدين إلى ما حاول كنط إخراجهما منه. فعاد إلى ما يشبه الحل الأفلاطوني فلسفيا مع "أرسطته" دينيا (وهو معنى الصلح بين الرب والطبيعة). وتبعه ماركس الذي "أرسطه" فلسفيا و"أفلطه" دينيا (وهو معنى جعل تحقيق العدل والخير في التاريخ الفعلي: مثال ماركس هو مدينة أفلاطون الفاضلة).

 

فلأشرح هذه العملية التي لا يمكن تجاوز مآزق الفكر ما بعد الحديث الذي بدأ مع هيغل وماركس من دون بيان هذه العلاقة بالفكر ما قبل الحديث.

 

والقصد بالفكر ما قبل الحديث ما قبل الحل الديكارتي المبني على مثنوية البدن والروح وما قبل تعميمه في الفلسفة على الوجود كله أعني مفهوم الامتداد المادي (خاصية البدن) ومفهوم اللاامتداد الفكري (خاصية الروح) صفتين معلومتين من الجوهر لامتناهي الصفات والأحوال كما في نظرية وحدة الوجود الطبعانية عند سبينوزا مثلا.

 


فلأشرح ردي الحل الهيغلي إلى الحل الأفلاطوني فلسفيا وإلى الحل الديني أرسطيا وهما معنيان يبدوان غير قابلين للفهم. فالرد الهيغلي المضاعف أنتج أرسطية مقلوبة. ذلك أن الإلهي لم يبق محركا أولا لا يتحرك بل هو صار محايثا للحركة الوجودية في الطبيعة وفي التاريخ يسعى في حركته للتحقق في الطبيعي والتاريخي وليس الطبيعي والتاريخي هما اللذان يتحركان بالاشرئباب إليه ومحاكاته للانتقال من القوة إلى الفعل
.

 

 فحلول الروح في البدن الذي هو لغز أفلاطون والذي حله أرسطو بالتخلي عن مفهوم  المثال المفارق مكتفيا بالصورة المحايثة والمثال الأعلى الوحيد الذي تحاكيه العقول المحركة للأفلاك التي تحقق بحركتها ما يشبه فعل الإنضاج للحركة في الطبيعة المتغيرة ومنها التاريخ صار عند هيجل حلول الرب في الإنسان أو في المسيح والمصالحة مع العالم وهو إذن تحييث مثال الإنسان الأعلى في الإنسان وفي التاريخ وفي الطبيعة بالتالي.

 

والرمز هو المسيح الذي يحقق المصالحة بين الله والعالم في كيان الإنسان وفي الوجود ككل. وبذلك ففلسفة الوجود ترد إلى فلسفة الدين التي تتأسس عليها فلسفة التاريخ ففلسفة الطبيعة.

 

فمفهوم المصالحة بين الإلهي والطبيعي بتوسط الإنساني مرموزا إليه بالمسيح هو الذي يؤسس فلسفة الروح الذي هو عقل بالمعنى اليوناني وروح بالمعنى المسيحي والذي هو مصالحة بين الربوبي والإنساني وبين العالمين أي الروحي والطبيعي، فلم يبق للغيب والماوراء وجود وانتهى الفصل الكنطي بين الظاهر والباطن والمثالي حالا في الممثولي وصار الغيب الكنطي حالا في الشهادة والباطن في الظاهر. ومن هنا نفي هيجل لوجود ما وراء العالم الطبيعي والعالم التاريخي وما بعد طبيعي وما بعد تاريخي.

 

عاد هيغل بالإنسان إلى سجنه في عالم الشهادة الطبيعي والتاريخي اللذين ليس لهما ما وراء وليس فيهما غيب بل أصبحا شفافين للعقل الإنساني الذي يسمي حصيلته العلم المطلق والعودة إلى المطابقة بين النظر والعمل وبين الموجود والمنشود وبين العقل والواقع.

 

ومن ثم فالفلسفة والدين يصبحان وجهين لعملة واحدة إذ هو قد حيث كل المعاني الدينية في المعاني الفلسفية وأصبح تاريخ الإنسان من جنس التاريخ الطبيعي للعضوي والروحي في آن.

 

وهذا هو الحل الذي يدعي ماركس قلبه ليجعله يمشي على رجليه بدلا من المشي على رأسه. فهو ينطلق من رؤية أرسطية ليـ"أفلطها" أفلطة مقلوبة كما فعل هجل الذي أرسطها أرسطة مقلوبة.

 

فالنفس الإنسانية عند ماركس هي صورة البدن. لكنها مشرئبة إلى كمال ليس حاصلا فيها بل هو ما تنشده في تاريخها بقلب العلاقة الأفلاطونية بين المثال والممثول بمعنى أن الممثول هو الذي يشرئب لصورته التي تتحقق خلال التاريخ فيصبح ما كان نازلا من الكمال إلى النقص في فلسفة أفلاطون صاعدا من النقص إلى الكمال وهو معنى الأفلطة المقلوبة. وينتج من ثم:

 

1 ـ أن فلسفة هيغل تمسيح موجب للحلين الأفلاطوني والأرسطي للخروج من المأزق الكنطي ولرفض الحل الديكارتي.

 

2 ـ وأن فلسفة ماركس تمسيح سالب لنفس الحلين ولنفس الغرض. أي إن الفلسفة بوجهيها الهيجلي والماركسي توحيد بين الفلسفي والديني:

 

1 ـ والتوحيد الهيجلي إيجابي وهو فلسفي في ظاهره وشكله وديني في باطنه ومضمونه. وهو توحيد إيجابي بمعنى أنه يثبت وحدة الباطن والمضمون واختلاف الظاهر والشكل.

2 ـ لكن التوحيد الماركسي سلبي بمعنى أنه يدعي نفي المضمون والباطن الديني ويكتفي بالظاهر والشكل دون قدرة على تفسير المحافظة على ما لا يفهم من غايات ثورته وقيمها التي هي دينية بالجوهر حتى لو جعلها دنيوية خالصة.

النفس الإنسانية عند ماركس هي صورة البدن. لكنها مشرئبة إلى كمال ليس حاصلا فيها بل هو ما تنشده في تاريخها بقلب العلاقة الأفلاطونية بين المثال والممثول بمعنى أن الممثول هو الذي يشرئب لصورته التي تتحقق خلال التاريخ فيصبح ما كان نازلا من الكمال إلى النقص في فلسفة أفلاطون صاعدا من النقص إلى الكمال وهو معنى الأفلطة المقلوبة.

 

والعلة في التوحيدين واحدة وهي التوحيد بين العالمين عالم الشهادة وعالم الغيب. وكلاهما ينفي وجود الغيب. لكن هيجل ينفيه بسبب محايثته بعد المصالحة وماركس ينفيه نفيا يحول دون تعليل ما يعلله هيجل بمحايثة الإلهي بعد المصالحة. لكن الموقفين ينتجان عن وهمين:

 

1 ـ القول بالمطابقة في نظرية المعرفة المحيطة ونفي الغيب في ذاته وفي الوجود فيتصورعلمه بذاته وبالطبيعة علما محيطا بهما.

 

2 ـ القول بالمطابقة والتمام في نظرية القيمية ونفي الغيب في ذاته وفي المنشود فيتصور عمله بذاته وبالتاريخ عملا مستوفيا لهما.

 

وبذلك فكل الفلسفة بعدهما ليست إلا علم كلام دنيوي وضع الإنسان فيه في منزلة الرب. ولنا على ذلك دليلان قابلان للملاحظة اليسيرة إذ هما يتبينان بتجربة بسيطة:

 

1 ـ نأخذ علم الكلام الوسيط ونضع الإنسان محل الرب وسنجد نفس الخطاب الذي نسمعه في الفلسفة ما بعد الحديثة حول الصفات والذات والأفعال وكلها تدور حول كائن مجرد لا نعلمه بل نعتقده علة للخلق والأمر.

 

2 ـ نأخد الفلسفة ما بعد الحديثة ونضع الرب محل الإنسان وسنجد نفس الخطاب الذي نسمعه في علم الكلام الوسيط حول ما نقوله عن الإنسان فاعلا ومقوما وكلاهما يدور حول كائن مجرد لا نعلمه ونعتقده علة للخلق والأمر.

 

وما يسمى بما بعد الحداثة التي هي غاية ما بعد الفلسفة الحديثة التي أسسها هيغل وماركس والتي مهدت لما بعد الحداثة بعد أن أدت إلى موت الإنسان بعد موت الله ليست إلا هذه الغاية. فكل الموجود والمنشود لم يبق إلا سرديات ليس وراءها غيرها بحيث إن السرد والمسرود كلاهما من الثقافات بما في ذلك سرديات الإنسان حول ذاته وحول العالمين الطبيعي والتاريخي. فيكون الأمر وكأن الإنسان صار شرنقة لا تستطيع أن تخرج من نسيجها الدائم التي تسجن نفسها فيه.

 

ومعنى ذلك أن تحييث الماورائيين أو المابعدين في الماأمامين  أو الماقبلين انتهى إلى نفي الماأمامين ذاتيهما مثل الماورائيين ولم يبق إلا ترائي الإنسان الجاهل بنفسه والذي لا يتجاوز وجوده ومنشوده صورته عن نفسه في سردياته التي لا يتوقف عن نسجها.

 

ويمكن اعتبار نيتشه أفضل من عبر عن ذلك في نظرية الإنسان الأعلى من حيث هو الفنان المبدع بـ"كن" الفنية إيجادا وأمرا أي فعلي ما كان علم الكلام ينسبه إلى الله وما يقول به القرآن في وصفه بكونه صاحب الخلق والأمر بكملة "كن".

 

وسأحاول في الفصول الموالية وضع فرضية تخرجنا من الإشكالية كما صيغت في بداية القطع بين المثيولوجيا الربوبية في غايتها التوحيدية (كيان مجرد غير متعين في نظام ثيولوجي متعدد) عند اليونان لتأسيس الفلسفة (أفلاطون وأرسطو) وبداية عودتها إلى الميثولوجيا الإنسوية في غايتها التوحيدية (كيان مجرد غير متعين في نظام انثروبولوجي متعدد) عند الغرب ما بعد الحديث (هيغل وماركس).

 

والغاية هي تأسيس رؤية تمكن من فهم نظرية الإنسان القرآنية والتي هي متلازمة مع نظرية الله في علاقة الاستخلاف التي تجعل الإنسان شبه قاعدة تأويل لمفهوم الله من حيث علاقة بين حريتين خالقة وآمرة لسياسة عالم الغيب الشامل لعالم الشهادة ومخلوقة ومأمورة لسياسة عالم الشهادة المشمول بسياسة عالم الغيب.