قضايا وآراء

الجيل الفلسطيني الجديد.. وإعادة الاعتبار للقضية

الأناضول
قبل أن تجف دماء شهداء مجزرة جنين، التي ارتكبها العدو الصهيوني وقتل فيها تسعة فلسطينيين أبرياء، نفّذ خيري علقم، الشاب المقدسي الذي لم يتعد عمره الحادية والعشرين عاماً، عمليته وقتل ثمانية مستوطنين وأصاب آخرين، ولم يفق الكيان الصهيوني من عملية العلقم بالقدس الشرقية المحتلة، حتى تلقى الضربة الثانية بعد ساعات، من ضاحية سلوان بالقدس الغربية المحتلة، من فتى صغير لم يتعد الثالثة عشر من عمره يدعى "محمد عليوات"، حيث أطلق الرصاص تجاه المستوطنين فأصاب اثنين بجروح خطيرة، أحدهما ضابط في جيش الاحتلال كان في عطلة كما ذكرت الشرطة الصهيونية.

إن العنف لن يولد إلا العنف والكراهية لن تنبت إلا كراهية وحقدا، وطالما أن سلطات الاحتلال لا تعرف غير لغة القوة والقمع والبطش، فسوف يبقى سلسال الدماء بين الصهاينة والفلسطينيين مستمراً ولن يتوقف، ويعيش الفلسطينيون والصهاينة في دوامة الدم إلى ما لا نهاية ما لم يكن هناك حل عادل للقضية الفلسطينية..

لكن العالم الأعور لا يرى إلا بعين واحدة، عين صهيونية عنصرية، تناصر المجرم القاتل وتغض البصر عن الضحية المظلوم، إنه عالم بلا ضمير يكيل بمكيالين مزدوجين!..

كان من الطبيعي أن يكون الطفل محمد عليوات في مدرسته يتلقى تعليمه أو في النادي يمارس الرياضة ويلعب الكرة ككل الأطفال في سنه، كما أن خيري العلقم يبدو أنه ميسور الحال يركب سيارة، فما الذي يدفعهما إلى اتخاذ هذا المسار؟

لقد قصّوا لعلقم قصة استشهاد جده "خيري علقم"، الذي يحمل اسمه، على يد مستوطن من حركة "كاخ" الإرهابية، أطلق عليه الرصاص عام 1998، أي قبل مولد الحفيد بأربعة أعوام، على الرغم من أن الجد لم يكن مقاوماً ولا مقاتلاً ولا مسلحاً. من المؤكد أن تلك الواقعة قد اختزنها في وجدانه وتقفز إلى ذاكرته كلما رأى العشرات بل المئات يصيبهم ما أصاب جده الذي لم يره، ويُقتلون بدم بارد ولا أحد يدافع عنهم. وما تسمى بالسلطة الفلسطينية عاجزة عن حمايتهم إن لم تكن متورطة بشكل أو بآخر في تلك المجازر، فهي تعتبر التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني مقدسا، وقوات أمن الاحتلال تعتبرها أحد أفرع أجهزتها في رام الله!!

ومن مهازل تلك السلطة الفلسطينية، سلطة أوسلو، إعلانها بعد مجزرة جنين عن وقف التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني، وبالطبع الوقف لا يعني الإلغاء، فلقد اتخذ محمود عباس هذا القرار قبل ذلك 62 مرة، مع كل مجزرة صهيونية ضد شعبه ليظهر بالرجل الحريص على شعبه والمتعاطف مع الشهداء. فإذا كان عباس جاداً فعلاً في حماية الفلسطينيين (ولا أظنه كذلك، فمهمته الأساسية التي جاء من أجلها أو جاءوا به من أجلها، هي حماية المستوطنين)، وإذا كان عباس يغار على الدم الفلسطيني، فعليه أن يحل جهاز التنسيق الأمني وعزل كافة ضباط التنسيق وخاصة ضباط الارتباط مع الكيان الصهيوني من أي خدمة مدنية أو عسكرية، وإلا فإن كل ما يقوله تدليس وتضليل وبتعليمات من الكيان الصهيوني لمساعدته على استعادة بعض من شعبيته الضائعة مع استمرار التنسيق الأمني.

لقد لخص العلقم على صفحته نظرته للعمليات النوعية في مقاومة الاحتلال، كاتباً "قناص مناسب في مكان مناسب أفضل من ألف جندي في ساحة المعركة". وهذه لم تكن مجرد كلمات من حبر، بل كان فعلاً ما نفذه على الأرض.

فقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 230 من بينهم 44 طفلاً في عام 2022 فقط، والذي صنفته الأمم المتحدة بأنه أكثر الأعوام دموية وعنفا بحق الفلسطينيين منذ عام 2005!!

وبحسب الأرقام المنشورة من الجهات الصهيونية، فإن الفترة ما بين بداية كانون الثاني/ يناير 2022 وأواخر كانون الثاني/ يناير 2023، شهدت 417 عملية مقاومة ضد الاحتلال، أسفرت عن مقتل حوالي 40 صهيونيا خلاف الجرحى. ويرى أغلب المحللين الصهاينة بأن عملية القدس الأخيرة وهي الأشد وجعاً لهم، مؤشر خطير قد يتصاعد ويساهم في تعميق الخلافات داخل حكومة نتنياهو الأكثر تطرفاً في تاريخ الحكومات الصهيونية، وخاصة أن عمليات المقاومة الأخرى بخاصة المواجهات غير المسلحة مع الجيش الصهيوني والمستوطنين تتصاعد بوتيرة واضحة..

لقد هدد الحاخامات المتشددون والوزيران الفاشيان بن غفير وسموترتش بطرد كل الفلسطينيين، وغير مستبعد إقرار إجراءات متطرفة بضم أجزاء من الضفة الغربية واقتحام المسجد الأقصى ومصادرة عوائد الضرائب الفلسطينية، مع استمرار آلة القتل والقمع للفلسطينيين وهدم المنازل..

لم يكن العلقم ولا الطفل عليوات ولا غيرهما من الشباب الفلسطينيين؛ ممن عاشوا في أرض فلسطين التاريخية ولعبوا ومرحوا فيها قبل حرب 1948 ويحملون ذكرياتهم الجميلة في وجدانهم، بل حملوا مأساتها في صدورهم، ولم يعاصروا اتفاقية أوسلوا المشؤومة، ولكنهم نبت خرج من رحم هذه الأرض.

لقد توهم الصهاينة الأوائل بعد احتلالهم لفلسطين، أن الأمر قد استتب لهم، وأنهم سيسعدون بالأرض التي سرقوها وأن كيانهم السرطاني المزروع على أرض غريبة، والمنبوذ من كل الشعوب المحيطة به.. توهموا أن كيانهم المُعلب من كل جنسيات العالم سيستمر ويدوم إلى الأبد، كما عبرت عن ذلك "جولدا مائير" بمقولتها الشهيرة: "إن الكبار سيموتون والصغار سينسون"، لكن الكبار احتفظوا بمفاتيح بيوتهم المسروقة وسلموها لصغارهم الذين احتفظوا بالأمانة، ولم ينسوا ولن ينسوا وسيظلون يتوارثون هذه المفاتيح جيلا بعد جيلا..

فالشباب الفلسطينيون من الجيل الثالث والرابع قد أعادوا الاعتبار للقضية الفلسطينية العادلة كقضية "تحرر وطني"، وليست قضية للمساومة والمواءمات السياسية التي تضيع في دهاليز المفاوضات التي لا تنتهي..

فهناك جيل جديد يأخذ منحى مختلفا، وقد يكون ذلك بمثابة تعويض عن فصائل النضال التاريخية، مثل حركة فتح التي خانت تاريخها بذريعة السلام بعد "أوسلو"، والجبهتين الشعبية والديمقراطية وغيرهما من الفصائل التي توارت بالتزامن مع توقيع الاتفاقات السياسية والأمنية، اتفاقيات الاستسلام مع الكيان الصهيوني.